يوجد بعد: ما علمه الله عزّ وجلّ من أحوال القيامة، ومآل الخلق؛ ومثال علمه بالممكن: ما علمه الله عزّ وجلّ من الحوادث الواقعة من الإنسان؛ ومثال علمه بالواجب: ما علمه الله عزّ وجلّ من كمال صفاته؛ ومثال علمه بالمستحيل: قوله تعالى: {ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله إذاً لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض} [المؤمنون: 91]، وقوله تعالى: {لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا} [الأنبياء: 22].

واعلم أن من أنكر علم الله فهو كافر سواء أنكره فيما يتعلق بفعله، أو فيما يتعلق بخلقه؛ فلو قال: إن الله تعالى لا يعلم ما يفعله العبد فهو كافر، كما لو قال: إن الله لا يعلم ما يفعله بنفسه؛ ولهذا كفَّر أهل السنة والجماعة غلاة القدرية الذين قالوا: إن الله سبحانه وتعالى لا يعلم أفعال العباد؛ فالذي ينكر علم الله بأفعال العباد لا شك أنه كافر؛ لأن الله تعالى يقول: {ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه ونحن أقرب إليه من حبل الوريد

[ق: 16]، ويقول سبحانه وتعالى: {أم يحسبون أنا لا نعلم سرهم ونجواهم بلى ورسلنا لديهم يكتبون} [الزخرف: 80]؛ فالذي يقول: إن الله لا يعلم أفعال العباد فإنه كافر بهذه الآيات؛ ولهذا قال الشافعي في القدرية: «ناظروهم بالعلم فإن أقروا به خُصِموا؛ وإن أنكروه كفروا»؛ وإيمانك بهذا يوجب لك مراقبته، والخوف منه، وامتثال أمره، واجتناب نهيه؛ لأنك متى علمت أنه عالم بك فإنك تخشاه؛ تستحيي منه عند المخالفة؛ وترغب فيما عنده عند الموافقة.

9 - ومن فوائد الآية: التوسل إلى الله سبحانه وتعالى بأسمائه وصفاته المناسبة لما يدعو به؛ لقوله تعالى: {إنك أنت السميع العليم}.

10 - ومنها: أن الدعاء يكون باسم «الرب»؛ لأن إجابة الدعاء من شأن الربوبية؛ لأنها خَلْق، وإيجاد.

القرآن

{رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (128)} [البقرة: 128]

التفسير:

ربنا واجعلنا ثابتَيْن على الإسلام، منقادَيْن لأحكامك، واجعل من ذريتنا أمة منقادة لك، بالإيمان، وبصِّرْنا بمعالم عبادتنا لك، وتجاوز عن ذنوبنا. إنك أنت كثير التوبة والرحمة لعبادك.

قوله تعالى: {رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ} [البقرة: 128]، "أي: ربنا واجعلنا مستسلمين لأمرك، خاضعين لطاعتك " (?).

قال الواحدي: أي اجعلنا: " مطيعين مستسلمين منقادين لحكمك" (?).

قال الثعلبي: أي: اجعلنا" موحّدين مطيعين مخلصين لَكَ" (?).

قال النسفي: أي: " زدنا إخلاصاً وإذعاناً لك" (?).

قال سلام بن أبي مطيع: " كانا مسلمين ولكنهما سألاه الثبات" (?).

وعن عكرمة: " قال إبراهيم: تجعلنا مسلمين لك؟ قال الله: نعم" (?).

وعن عبد الكريم: " {واجعلنا مسلمين لك}، قال: مخلصين لك" (?).

قال ابن الأنباري: يقال: فلان مسلم، وفيه قولان (?):

أحدهما: أنه المستسلم لأمر الله.

طور بواسطة نورين ميديا © 2015