قال ابن إسحاق: "أوحى الله إلى البحر - فيما ذكر لي: إذا ضربك موسى بعصاه فانفلق له. قال: فبات البحر يضرب. بعضه بعضا فرقا من الله وانتظاره أمره، فأوحى الله جل وعز إلى موسى: أن اضرب بعصاك البحر، فضربه بها، وفيها سلطان الله الذي أعطاه، فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم، أي كالجبل على نشز من الأرض يقول الله لموسى: {فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لا تَخَافُ دَرَكًا وَلا تَخْشَى} [طه: 77]، فلما استقر له البحر على طريق قائمة يَبَسٍ سلك فيه موسى ببني إسرائيل، وأتبعه فرعون بجنوده" (?).
وروي عن ابن عباس (?)، والسدي (?)، وابن زيد (?)، وعبدالله بن شداد بن الهاد (?)، وعمرو بن ميمون الأودي (?)، نحو قول ابن إسحاق.
وقد ذكر أهل التفسير في قوله تعالى: {وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ} [البقرة: 50]، وجهين (?):
أحدهما: وإذ فصلنا بكم البحر، لأن الفرق: الفصل بين الشيئين (?).
والثاني: أن معناه: وإذ فرقنا بينكم وبين البحر، يريد بذلك: فصلنا بينكم وبينه، وحجزناه حيث مررتم به، وهذا قول بعض نحويي البصرة.
واعترض الطبري على القول الثاني، فقال: "وذلك خلاف ما في ظاهر التلاوة، لأن الله جل ثناؤه إنما أخبر أنه فرق البحر بالقوم، ولم يخبر أنه فرق بين القوم وبين البحر، فيكون التأويل ما قاله قائلو هذه المقالة، وفرقه البحر بالقوم، إنما هو تفريقه البحر بهم، على ما وصفنا من افتراق سبيله بهم، على ما جاءت به الآثار" (?).
وقوله {بِكُمُ} [البقرة: 50]، اختلف فيه على وجوه (?):
أحدهما: أن (الباء) سببية، ومعنى {بِكُمُ}: بسببكم.
قال السمين الحلبي: " الظاهر أن (الباء) على بابها من كونها داخلة على الآلة، فكأنه فرق بهم كما يفرق بين الشيئين بما توسط بينهما" (?).
والثاني: أن تكون للتعدية.
قال أبو البقاء: "ويجوز أن تكون المعدية كقولك: ذهبت بزيد، فيكون التقدير: أفرقناكم البحر، ويكون بمعنى: {وجاوزنا ببني إسرآئيل البحر} [الأعراف: 138] وهذا قريب من الأول" (?).
والثالث: وقيل (الباء) بمعنى (اللام)، ومعناه {لكم}، اختاره ابن الجوزي (?)، قال ابن عطية: "وهذا ضعيف" (?).
والرابع: ويجوز أن تكون للحال من (البحر)، أي: فرقناه ملتبسا بكم، قال أبو البقاء: "أي: فرقنا البحر وأنتم به" (?)، ومنه قول المتنبي (?):