واحتجوا بوجهين:

الوجه الأول: إنما عاد على الصلاة مع أن الصبر مراد معها، لأنها الأغلب والأعم، كما في قوله-عز وجل-: {وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ} [التوبة: 34]، حيث رد الكناية إلى الفضة لأنها كذلك. وقيل: لأنها الأفضل والأهم كما في قوله تعالى: {وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انفَضُّوا إِلَيْهَا} [الجمعة: 11] حيث رد الكناية إلى التجارة لأنها كذلك (?).

قال الجصاص: " فيه رد الضمير على واحد، مع تقدم ذكر اثنين" (?).

الوجه الثاني: أراد بالضمير الصبر والصلاة، وإنما عادت الكناية إلى الصلاة، لكونها أقرب مذكور، ومنه قول الشاعر:

َمَنْ يَكُ أَمْسَى في الْمَدِينَةِ رَحْلُهُ ... فَإِنِّي وَقَيَّارٌ بِهَا لَغَرِيبُ

واعترض السمين الحلبي على هذا التعليل، إذ قال: "كذا قيل، وفيه نظر" (?).

القول الثالث: أنه يعود على الاستعانة المفهومة من قوله تعالى: {واستعينوا}؛ لأن الفعل {استعينوا} يدل على زمن، ومصدر؛ فيجوز أن يعود الضمير على المصدر المفهوم من الفعل، كما في قوله تعالى: {اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى} [المائدة: 8]، أي العدل المفهوم من قوله تعالى: {اعدلوا} أقرب للتقوى.

قال الألوسي: أي: شموله للمذكورات قبل، وهي الصبر والصلاة (?).

وقد عبر ابن كثير، عن هذا القول فقال: "ويحتمل أن يكون عائداً-أي: الضمير-إلى ما دل عليه الكلام وهو الوصية بذلك كقوله تعالى في قصة قارون: {وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ} [القصص: 80]، وقال تعالى: {وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ * وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ} [فصلت: 35]، أي: وما يلقى هذه الوصية إلا الذين صبروا وما يلقاها أي: يؤتاها إلا ذو حظ عظيم" (?).

وهذا القول يفرق عن القول قبله؛ لأن الاستعانة بالصبر والصلاة على قضاء الحوائج وفعل الطاعات لاستجرارهما ذلك غير صبر العبد وأدائه للصلاة (?).

والرابع: أن الكناية تعود إلى جميع الأمور التي أمر بها بنو إسرائيل ونهو عنها من قوله: {اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ} [البقرة: 40]، إلى قوله: {وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ} [البقرة: 45] ومشقة تلك الأمور عليهم ظاهرة (?). ورجحه ابن عاشور قائلا بأنها: " أوضح الأقوال وأجمعها" (?).

والخامس: أن الكناية راجعة إلى إجابة الرسول صلى الله عليه وسلم، ونُسِبَ هذا القول للأخفش ولم يذكره في معاني القرآن عند هذه الآية (?).

وهذا القول ضعيف كسابقه، لأنه لا دليل عليه في الآية، ولم يسبق للكعبة ذكر.

قال ابن عطية: "وفي هذا ضعف، لأنه لا دليل له من الآية عليه" (?). وقد ضعفه الطبري (?) كذلك.

قال ابن عطية: " وهذا أضعف من الذي قبله" (?). وقد ضعفه الآلوسي (?) كذلك.

طور بواسطة نورين ميديا © 2015