وعلى هذا القول، يستقيم الضمير في {عَلَيْكُمْ}، ويجيء كل ما توالى من الأوامر على جهة الاستدامة.

والثاني: أن الخطاب لجميع بني إسرائيل في مدة النبي عليه السلام، مؤمنهم وكافرهم، والضمير في {عَلَيْكُمْ}، يراد به على آبائكم كما تقول العرب ألم نهزمكم يوم كذا لوقعة كانت بين الآباء والأجداد. وهو قول ابن عباس (?)، وجمهور العلماء (?)، ومنه قول الفرزدق (?):

وَبَيْتَانِ: بَيْتُ اللهِ نَحْنُ وُلاتُهُ ... وَبَيْتٌ بأعْلَى إِيلِيَاءَ مُشَرَّفُ

يريد أن آباءه في القديم كانوا يلونهما، لا أنه كان يليه.

وقال آخر (?):

إِذا افْتَخَرَتْ يَوْمًا تَمِيمٌ بِقَوْسِهَا ... فَخَارًا عَلَى مَا أَطَّدَتْ مِنْ مَنَاقِبِ

فَأَنْتُم بِذِي قَارٍ أَمَالَتْ سُيُوفُكُم ... عُرُوشَ الذِينَ اسْتَرْهَنُوا قَوْسَ حَاجِبِ

أراد آباؤكم فعلوا ذلك، لأن المخاطبين بهذا البيت كانوا بعد ذي قار بدهر طويل (?).

قوله تعالى: {اذكروا نِعْمَتِيَ التي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ} [البقرة: 40]، أي: "اذكروا ما أنعمت به عليكم وعلى آبائكم" (?).

قال البيضاوي: " أي بالتفكر فيها والقيام بشكرها" (?).

قال البغوي: أي: احفظوا نعمي التي أنعمتها على أجدادكم وأسلافكم (?).

قال ابن عثيمين: " أي اذكروها بقلوبكم، واذكروها بألسنتكم، واذكروها بجوارحكم؛ وذلك؛ لأن الشكر يكون في الأمور الثلاثة: في القلب، واللسان، والجوارح" (?).

وقال السعدي: "وهو يشمل سائر النعم التي سيذكر في هذه السورة بعضها، والمراد بذكرها بالقلب اعترافا، وباللسان ثناء، وبالجوارح باستعمالها فيما يحبه ويرضيه" (?).

قال البغوي: " والذكر: يكون بالقلب ويكون باللسان وقيل: أراد به الشكر، وذكر بلفظ الذكر لأن في الشكر ذكرا وفي الكفران نسيانا، قال الحسن: "ذكر النعمة شكرها" (?) " (?).

وقال ابن عطية: " والذكر في كلام العرب على أنحاء، وهذا منها ذكر القلب الذي هو ضد النسيان" (?).

وقوله تعالى: {نِعْمَتِيَ} أي: "نعمي، لفظها واحد ومعناها جمع، كقوله تعالى {وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ} [النحل: 18] " (?).

وتحركت (الياء) من {نِعْمَتِيَ}، لأنها لقيت الألف واللام، ويجوز تسكينها، وإذا سكنت حذفت للالتقاء (?).

قال الفراء: "وأما نصب الياء من {نِعْمَتِيَ}، فإن كل ياء كانت من المتكلم ففيها لغتان: الإرسالُ والسكون، والفتح، فإذا لَقيتها ألفٌ ولام، اختارت العربُ اللغة التي حركت فيها الياء وكرِهوا الأخرى لأن

طور بواسطة نورين ميديا © 2015