فيمكن القول بأن (إبليس) (إفعِيل)، من الإبلاس، وهو الإياس من الخير والندمُ والحزن (?)، ومن ذلك قوله جل ثناؤه: (فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ) [سورة الأنعام: 44]، أي: " أنهم آيسون من الخير، نادمون حزنًا" (?)، كما قال العجَّاج (?):

يَا صَاحِ، هَلْ تَعْرِفُ رَسْمًا مُكْرَسَا؟ ... قَالَ: نَعَمْ، أَعْرِفُهُ! وَأَبْلَسَا

وقال رؤبة (?):

وَحَضَرَتْ يَوْمَ الْخَمِيسِ الأَخْمَاسْ ... وَفِي الْوُجُوهِ صُفْرَةٌ وَإِبْلاسْ

يعني به اكتئابًا وكسوفًا.

وأخرج الطبري " عن السُّدّيّ، قال: كان اسم إبليس (الحارث)، وإنما سمي إبليس حين أبلس متحيِّرًا" (?).

وقال ابن عباس: " إبليس، أبلسه الله من الخير كله، وجعله شيطانًا رجيمًا عقوبة لمعصيته" (?).

وفي مفهوم الشرع لا يُوجد تعريف اصطلاحي لإبليس في الشرع، إذ هو مخلوق معروف لدى الأديان الأخرى، وهو رمزُ الشرّ عند كل شعب من الشعوب ودين من الأديان وطائفة من الطوائف، وعليه نعرّف إبليس بأنه: الجانّ الذي أبى السجود لآدم حين خلقه الله، فاستحق لعنته، وطُرِد من جنته، ووجبت له النار بعد إنظار الله له إلى يوم القيامة، وأُوتِي من وسائل الإغواء ما لم يُؤتَ أحد من العالمين.

وقد اختلف العلماء هل إبليس من الجن أم من الملائكة، على ثلاثة أقوال:

القول الأول: أنه كان من الملائكة:

ذهب بعض أهل العلم إلى أن إبليس كان من الملائكة فلما عصى الله تعالى أخرجه من صف الملائكة، وقال به من العلماء: ابن عباس (?) في رواية عنه وابن مسعود (?)، وقتادة (?)، ومحمد بن إسحاق (?)، وسعيد بن جبير وسعيد بن المسيب (?)، ورجحه ابن جرير الطبري بل وانتصر له، ورجحه البغوي، ونسبه ابن عطية والقرطبي والشوكاني إلى أنه قول الجمهور (?).

واستدلوا أولئك بقول الله تعالى: {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ} [البقرة: 34]، فلو لم يكن إبليس من الملائكة لم يؤمر بالسجود ولم يؤاخذ بالعصيان.

وهذا الاستدلال ضعيف جداً، فتنوعت إجابات العلماء عن هذا الدليل:

- قال ابن تيمية عن إبليس: " كان منهم (أي من الملائكة) باعتبار صورته وليس منهم باعتبار أصله " (?).

- وقال ابن كثير: "وذلك أنه (أي إبليس) كان قد توسّم بأفعال الملائكة وتشبه بهم وتعبد وتنسك فلهذا دخل في خطابهم، وعصى بالمخالفة" (?).

طور بواسطة نورين ميديا © 2015