- وقال ابن عثيمين: "وإنما استثناه الله من الملائكة لأنه كان معهم وليس منهم يبين ذلك آية الكهف (وكان من الجن) .. ثم قال: وهذا الاستثناء يسمى استثناء منقطعا، كما تقول: (جاء القوم إلا حمارا) وهو كلام عربي فصيح فاستثنى الحمار من القوم وإن لم يكن منهم" (?).
والثاني: أنه من الجن:
وقال به من العلماء: ابن عباس" (?) في رواية أخرى والحسن البصري" (?) - صححه عنه ابن كثير- وسعد بن مسعود (?) وشَهر بن حَوْشب (?) وابن زيد (?)، ورجحه ابن تيمية والسيوطي والزمخشري وابن كثير والشنقيطي ـ صاحب الأضواء ـ وابن عثيمين والشيخ أبو بكر الجزائري (?).
ولهذا ذهب عامة أهل العلم إلى أن إبليس وذريته لم يكونوا قط من الملائكة، ويدل على ذلك عدة أدلة:
أحدها: قول الله تعالى: {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا} [الكهف: 50]، فبين الله أن سبب فسقه كونه من الجن، أي أنه من عنصر أو من جنس آخر غير الملائكة، أما الاستثناء في قوله تعلى: (فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ)، فإنه استثناء منقطع أي أن (إلا) هنا بمعنى (لكن)، وهو كقوله تعالى: {لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا (24) إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا (25)} [النبأ: 24 - 25]، هذا الاستثناء منقطع لأن الحميم والغساق ليس من البرد والشراب والمعنى: لكن يطعمون الحميم والغساق.
والثاني: وقوله تعالى: {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا} [الكهف: 50].
وهنا نص الله أن له ذرية يعني (نسل) وهم الجن، والملائكة لانسل لهم. فلو كان ملكا لم يكن له نسل.
والثالث: أن إبليس مخلوق من نار كما قال تعالى حاكيا عن إبليس: {قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ} [الأعراف: 12]، والملائكة مخلوقة من نور لما في صحيح مسلم عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " خلقت الملائكة من نور وخلق الجن من نار وخلق آدم مما وُصف لكم" (?). ففرق الرسول صلى الله عليه وسلم بين خلق الملائكة وخلق الجن.
والرابع: قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} [التحريم: 6]. فلو كان إبليس ملكا ماعصى الله.
والخامس: أن الجن الذين هم ذرية إبليس، لهم شهوة للطعام والشراب وغيره، وليس للملائكة شهوة دل على ذلك عدة نصوص منها:
ـ أن الجن سألوا الرسول صلى الله عليه وسلم لما اجتمعو به عن طعامهم فقال: "كل عظم ذكر اسم الله عليه يقع في أيديكم أوفر مايكون لحما، وكل بعرة علف لدوابكم .. فلاتستنجو بهما فإنهما طعام إخوانكم الجن " (?).