الثاني: اليمين اللغو: وهي الحلف من غير قصد اليمين، وهذه لا كفارة فيها؛ لقول الله تعالى: {لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ} [البقرة: 225].

قالت عائشة رضي الله عنها: أنزلت هذه الآية {لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم}، في قول الرجل لا والله وبلى والله" (?).

قال ابن قدامة رحمه الله: "قال الخرقي: «ومن حلف على شيء يظنه كما حلف , فلم يكن , فلا كفارة عليه ; لأنه من لغو اليمين»، أكثر أهل العلم على أن هذه اليمين لا كفارة فيها. قاله ابن المنذر. يروى هذا عن ابن عباس , وأبي هريرة , وأبي مالك , وزرارة بن أوفى , والحسن , والنخعي , ومالك , وأبي حنيفة , والثوري، وممن قال: هذا لغو اليمين. مجاهد , وسليمان بن يسار , والأوزاعي , والثوري , وأبو حنيفة وأصحابه، وأكثر أهل العلم على أن لغو اليمين لا كفارة فيه. وقال ابن عبد البر: أجمع المسلمون على هذا، لقول الله تعالى: {لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم}. وهذه منه , ولأنه غير مقصود للمخالفة , فأشبه ما لو حنث ناسيا" (?).

الثالث: أن يحلف على شيء ماض وهو كاذب وهي من كبائر الذنوب، ولا كفارة فيها عند جمهور العلماء؛ لأنها أعظم من أن تكفّر.

إذا عُلم هذا، فما حلفته من الأيمان المنعقدة، وحنثت فيه، فيلزمك فيه الكفارة، وإذا نسيت عدد هذه الأيمان، فاجتهد وأخرج من الكفارات ما يغلب على ظنك أنك تبرأ به.

وما كان من هذه الأيمان معقودا على فعلٍ واحد، أو ترك شيءٍ واحد، ففيها كفارة واحدة، وذلك مثل أن تحلف ألا تكلم فلانا، فتحنث، ولا تكفّر، ثم تعود فتحلف ألا تكلمه، وتحنث، فلا يلزمك إلا كفارة واحدة. بخلاف ما لو حلفت ألا تكلمه، ثم حلفت أن لا تأكل طعامه مثلا، فيلزمك حينئذ كفارتان.

فيمكن القول: بأن الأيمان التي حلفتها على شيء تفعله أو لا تفعله في المستقبل وحنثت فيها يجب عليك فيها الكفارة، والأيمان التي حلفتها على شيء في الماضي أنك فعلته أو لم تفعله وأنت كاذب في ذلك لا كفارة عليها، وعليك التوبة إلى الله، والله تعالى يتوب على من تاب.

6 - تمامُ عدلِ الله عزَّ وجلَّ في إيجابِ الأوسَطِ؛ لِقَوْلِه: {مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ}، فالواجب على الإنسانِ هو الوَسَط؛ فالزكاةُ مثلًا على صاحِب الغَنَم الواجبُ الوَسَط، والزكاة في الثِّمار الواجبُ الوَسَطُ، فإنَّه لو أوْجَب الأكملَ والأعلى، لكان في هذا ضرَرٌ على المعطِي، ولو أوجَبَ الأدْنى لكان فيه ضررٌ على المُعطَى، أي: المدفوع إليه، فالوسطُ ليس فيه حَيفٌ لا على مَن يجِبُ عليه، ولا عَلى مَن يجبُ له، وهذا لا شكَّ أنَّه من العدالةِ.

7 - وجوبُ الإنفاقِ على الأهلِ؛ لِقَوْلِه: {مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ}، يعني: كأنَّ هذا أمرٌ مُقرَّر؛ أنَّ الرجل يُطعِم أهلَه، وهذا لا شكَّ فيه؛ أنَّه يجب على الرجلِ أن يُنفقَ على أهلِه؛ قال الله تعالى: {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ} [النساء: 34].

8 - يُستَفادُ مِنْ قَوْلِه: {أَوْ كِسْوَتُهُمْ}، أنَّ الكِسْوةَ مُطلقةٌ، فما سُمِّي كِسْوةً حصَل به الإجزاءُ، وهذا يختلفُ باختلافِ الأحوالِ والأزمانِ والأماكنِ والأُمم.

9 - قولُه تعالى: {إِذَا حَلَفْتُمْ}، فيه دقيقةٌ، وهي التنبيهُ على أنَّ تقديمَ الكفَّارةِ قبلَ اليمينِ لا يجوزُ، وأمَّا بعدَ اليمينِ وقبل الحِنث فإنَّه يجوزُ.

10 - أنَّ تقديرَ العباداتِ كمِّيةً ونوعًا وكيفيَّةً موكولٌ إلى الشَّرْعِ؛ لِقَوْلِه: {كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ}؛ ولذلك لا يَتقابَلُ أو لا يَتساوى إطعامُ عَشَرةِ مَساكينَ مع صِيام ثلاثةِ أيَّام، فكفَّارة الظِّهارِ الواجبُ فيها صيامُ شَهرينِ متتابعينِ، فإنْ لم يجد فإطعامُ سِتِّينَ مِسكينًا، فجاءَ إطعامُ كلِّ فقيرٍ يُقابل صيامَ يومٍ، لكن هنا يختلفُ الوضع، ولعلَّ السبب- والله أعلمُ - أنَّه في كَفَّارة الظِّهار الإطعامُ بدلٌ عن

طور بواسطة نورين ميديا © 2015