الصيامِ، فمن لم يستطعِ الصيامَ أطعَمَ، وإذا كان بدلًا عن الصِّيام، فالحُكم أنَّ صومَ كلِّ يوم يُطعِمُ عنه مِسكينًا، كما في العاجِزِ عن الصِّيام عجزًا لا يُرجَى زَوالُه، فإنَّه يُطعِمُ عن كلِّ يومٍ مسكينًا، أمَّا في كفَّارةِ اليمينِ وفِديةِ الأذى، فليس الأمرُ كذلك؛ لأنَّ الأمرَ فيهما على التخييرِ، فكلٌّ من خِصال الكفَّارة نوع ٌمستقلٌّ بنفْسِه.
11 - أنَّ الله سبحانه وتعالى بَيَّنَ لعبادِه من آياته كلَّ ما يحتاجون إليه؛ لِقَوْلِه: {كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ}.
12 - وممَّا يُستَفادُ مِنْ قَوْلِه: {كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}، محبَّةُ الله تعالى للشُّكرِ؛ حيث بَيَّنَ الآياتِ لعِبادِه من أجْل أنْ يَشكُروه.
12 - تعليل أحكامِ اللهِ عزَّ وجلَّ، وأنَّها مقرونةٌ بالحِكمة؛ لأنَّ قَوْلَه: {لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} للتعليلِ، والتعليلُ يُفيد الحِكمةَ؛ فجميعُ أفعالِ اللهِ وأحكامِ اللهِ كلُّها لحِكمةٍ، لكنْ منها ما يُعلَم، ومنها ما لا يُعلَم.
القرآن
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (90)} [المائدة: 90]
التفسير:
يا أيها الذين صدَّقوا الله ورسوله وعملوا بشرعه، إنما الخمر: وهي كل مسكر يغطي العقل، والميسر: وهو القمار، وذلك يشمل المراهنات ونحوها، مما فيه عوض من الجانبين، وصدٌّ عن ذكر الله، والأنصاب: وهي الحجارة التي كان المشركون يذبحون عندها تعظيمًا لها، وما ينصب للعبادة تقربًا إليه، والأزلام: وهي القِداح التي يستقسم بها الكفار قبل الإقدام على الشيء، أو الإحجام عنه، إن ذلك كله إثمٌ مِن تزيين الشيطان، فابتعدوا عن هذه الآثام، لعلكم تفوزون بالجنة.
في سبب النزول الآيات (90 - 93)، أقوال:
أحدها: عن سعد بن أبي وقاص: "أنه نزلت فيه آيات من القرآن؛ قال: حَلَفَت أم سعد أن لا تكلمه أبداً حتى يكفر بدينه، ولا تأكل ولا تشرب، قالت: زَعَمْت أن الله وصاك بوالديك، وأنا أمك، وأنا آمرك بهذا، قال: مكثت ثلاثاً حتى غشي عليها من الجَهْد، فقام ابن لها يقال له: عُمارة، فسقاها، فجعلت تدعو على سعد؛ فأنزل الله -عزّ وجلّ- في القرآن هذه الآية: {وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي} [العنكبوت: 8]، وفيها: {وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا}، قال: وأصاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - غنيمة عظيمة، فإذا فيها سيف فأخذته، فأتيت به الرسول - صلى الله عليه وسلم -، فقلت: نفلني هذا السيف؛ فأنا من قد علمت حاله، فقال: "رده من حيث أخذته"، فانطلقت، حتى إذا أردت أن ألقيه في القَبَض لامتني نفسي، فرجعت إليه، فقلت: أعطنيه، قال: فشد لي صوته: "رده من حيث أخذته"، قال: فأنزل الله -عزّ وجلّ-: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ} [الأنفال: 1]، قال: ومرضت فأرسلت إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فأتاني، فقلت: دعني أقسم مالي حيث شئت، قال: فأبى، قلت: فالنصف؟ قال: فأبى، قلت: فالثلث؟ قال: فسكت، فكان بعد الثلث جائزاً، قال: وأتيت على نفر من الأنصار والمهاجرين، فقالوا: تعال نطعمك ونسقيك خمراً، وذلك قبل أن تحرم الخمر، قال: فأتيتهم في حش -والحش: البستان- فإذا رأس جزور مشوي عندهم، وزقّ من خمر، قال: فأكلت وشربت معهم، قال: فذكرت الأنصار والمهاجرون عندهم، فقلت: المهاجرون خير من الأنصار، قال: فأخذ رجل أحد لحيى الرأس فضربني به فجرح بأنفي، فأتيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأخبرته؛ فأنزل الله -عزّ وجلّ- فيّ -يعني: نفسه- شأن الخمر: {إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ} " (?). [صحيح]