يعني بقوله: حرّرتكم، فككت رقابكم من ذلّ الهجاء ولزوم العار (?).

وقيل: تحرير رقبة، والمحرَّر ذو الرقبة، لأن العربَ كان من شأنها إذا أسرت أسيرًا أن تجمع يديه إلى عنقه بقِدٍ أو حبل أو غير ذلك، وإذا أطلقته من الأسر أطلقت يديه وحلَّتهما مما كانتا به مشدودتين إلى الرقبة. فجرى الكلام عند إطلاقهم الأسير، بالخبر عن فك يديه عن رقبته، وهم يريدون الخبرَ عن إطلاقه من أسره، كما يقال: قبضَ فلان يده عن فلان، إذا أمسك يده عن نواله وبسط فيه لسانه، إذا قال فيه سوءًا فيضافُ الفعل إلى الجارحة التي يكون بها ذلك الفعل دون فاعله، لاستعمال الناس ذلك بينهم، وعلمهم بمعنى ذلك. فكذلك ذلك في قول الله تعالى ذكره: {أو تحرير رقبة}، أضيف التحرير إلى الرقبة، وإن لم يكن هناك غُلٌّ في رقبته ولا شدُّ يَدٍ إليها، وكان المراد بالتحرير نفسَ العبد، بما وصفنا، من جَرّاء استعمال الناس ذلك بينهم لمعرفتهم بمعناه (?).

وإن قال قائل: "أفكلّ الرقاب معنيٌّ بذلك أو بعضه؟

قيل: بل معنيّ بذلك كل رقبة كانت سليمة من الإقعاد، والعمَى والخرس، وقطع اليدين أو شللهما والجنون المطبق، ونظائر ذلك. فإن من كان به ذلك أو شيء منه من الرقاب، فلا خلاف بين الجميع من الحجة أنه لا يجزئ في كفارة اليمين. فكان معلومًا بذلك أن الله تعالى ذكره لم يعنه بالتحرير في هذه الآية. فأما الصغير والكبير والمسلم والكافر، فإنهم معنيون به" (?).

قال إبراهيم: "من كانت عليه رقبة واجبة، فاشترى نَسَمة، قال: إذا أنقذها من عمل أجزأته، ولا يجوز عتق من لا يعمل. فأما الذي يعمل، كالأعور ونحوه. وأما الذي لا يعمل فلا يجزئ، الأعمى والمقعد" (?).

وعن إبراهيم أيضا: "أنه كان لا يرى عتقَ المغلوب على عقله يجزئ في شيء من الكفارات" (?).

عن الحسن قال: "كان يكره عتق المخَبَّل في شيء من الكفارات" (?).

وقال عطاء: " لا يجزئ في الرقبة إلا صحيح" (?).

وعن عطاء أيضا: "يجزئ المولودُ في الإسلام من رقبة" (?).

وقال إبراهيم: ": ما كان في القرآن من رقبة مؤمنة، فلا يجزئ إلا ما صام وصلى. وما كان ليس بمؤمنة، فالصبي يجزئ" (?).

وقال سليمان: " إذا ولد الصبي فهو نسمة، وإذا انقلبَ ظهرًا لبطن فهو رقبة، وإذا صلى فهو مؤمنة" (?).

قال الطبري: " والصواب من القول في ذلك عندنا أن يقال، إن الله تعالى عمَّ بذكر الرقبة كل رقبة، فأيَّ رقبة حرّرها المكفر يمينَه في كفارته، فقد أدّى ما كُلِّف، إلا ما ذكرنا أن الحجة مجمعة على أن الله تعالى ذكره، لم يعنه بالتحرير، فذلك خارج من حكم الآية، وما عدا ذلك فجائز تحريرُه في الكفارة بظاهر التنزيل" (?).

وفي استحقاق أَثمانها قولان:

طور بواسطة نورين ميديا © 2015