فذهب ابن عباس إلى أن {الشاهدين}، هم الشهداء في قوله: {لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ} [البقرة: 143]، وهم أمة محمد -صلى الله عليه وسلم-، ومعنى الكلام: يقولون ربنا آمنا فاكتبنا مع الشاهدين، الذين يشهدون لأنبيائك يوم القيامة، أنهم قد بلغوا أممهم رسالاتك (?).
وقال الحسن: "الذين يشهدون بالإيمان" (?).
وقال أبو علي: "الذين يشهدون بتصديق نبيك وكتابك" (?).
قال السعدي: قوله {الشاهدين} " هم أمة محمد صلى الله عليه وسلم، يشهدون لله بالتوحيد، ولرسله بالرسالة وصحة ما جاءوا به، ويشهدون على الأمم السابقة بالتصديق والتكذيب، وهم عدول، شهادتهم مقبولة، كما قال تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} [البقرة: 143] " (?).
الفوائد:
1 - فضل هذه الأمة وكرامتها على الأمم قبلها.
2 - أن البكاء من خشية الله هو شعار المؤمنين المتقين.
روى الترمذي في سننه من حديث ابن عباس رضي اللهُ عنهما أن النبي صلى اللهُ عليه وسلم قال: «عَيْنَانِ لَا تَمَسُّهُمَا النَّارُ، عَيْنٌ بَكَتْ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ، وَعَيْنٌ بَاتَتْ تَحْرُسُ فِي سَبِيلِ اللهِ» (?).
وقد كان النبي صلى اللهُ عليه وسلم كثير البكاء من خشية الله، وكذلك الصالحون من قبل ومن بعد، وقد توعد الله أصحاب القلوب القاسية بأشد الوعيد، فقال تعالى: {أَفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِّن رَّبِّهِ فَوَيْلٌ لِّلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُم مِّن ذِكْرِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِين (22)} [الزمر: 22].
3 - ويستفاد من الآية قرأ منع قراءة القرآن بالألحان المطربة والمشبهة للأغاني؛ لأن ذلك يثمر ضد الخشوع، ونقيض الخوف والوجل، وقوله تعالى فيهم: {وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ} [المائدة: 83]، وهذا يفيد الأمر بتلاوته على هذا الوجه، وأن بكاءهم إنما كان مما فهموا من معانيه، لا من نغمات القارئ.
فأين هذا من دق الرجل، وثني العطف، وتحريك الرأس، والصياح، والزعق، والمكاء، والتصدية؟ !
قال الله تعالى: {لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ}.
فليت شعري! ما الذي يورث خشية الله تعالى؟ !
أألحان الملحنين، أو فهم معانيه، وتدبر آياته، واستخلاص حكمه وعجائب مضمونه؟ !
قال بهز بن حكيم: " صليت خلف زرارة بن أوفى، فقرأ: {فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ}، فخر ميتا، فكنت ممن حمله " (?).
وقال أبو الربيع إدريس الخولاني: " كان أبو بكر البصري قد أوتي الحزن وحسن الصوت، وقراءته تقع على القلب من فضله، وكان يأتي إلى الليث بن سعد فيقرأ عنده، ويبكي الليث وأصحابه، ويقول الليث: لقد جعل الله لقراءته سلطانا على الأعين " (?).