قال ابن شهاب: "أخبرني سعيد بن المسيب وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام وعروة بن الزبير، قالوا: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرو بن أمية الضمري. وكتب معه كتابا إلى النجاشي، فقدم على النجاشي، فقرأ كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم دعا جعفر ابن أبي طالب والمهاجرين معه، وأرسل النجاشي إلى الرهبان والقسيسين، ثم أمر جعفر بن أبي طالب فقرأ عليهم سورة مريم فآمنوا بالقرآن وفاضت أعينهم من الدمع فهم الذين أنزل الله فيهم ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إلى قوله: {ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق يقولون ربنا آمنا فاكتبنا مع الشاهدين} " (?).
قال عبدالله بن الزبير: " نزلت هذه الآية في النجاشي وأصحابه: {وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع}، وقوله: {يقولون ربنا آمنا فاكتبنا مع الشاهدين} " (?).
قال قتادة: " هم أناس من أهل الكتاب كانوا على شريعة من الحق مما جاء به عيسى عليه الصلاة والسلام، يؤمنون به وينتهون إليه، فلما بعث الله نبيه محمد صلى الله عليه وسلم فصدقوا وآمنوا به وعرفوا الذي جاء به أنه الحق من الله فأثنى عليهم كما تسمعون قوله تعالى: {ترى أعينهم} " (?).
قال سعيد عن عمرو بن مرة: "قدم على أبي بكر الصديق وفد من اليمن، فقالوا: اقرأ علينا القرآن، فقرأ عليهم القرآن فجعلوا يبكون، فقال أبو بكر: كذا كنا حتى قست القلوب، وكان أبو بكر لا يملك دمعة حين يقرأ القرآن" (?).
قال التستري في تفسير هذه الآية: "هم القسيسون والرهبان، كان الناس يتمسحون بهم لعلمهم في الدين، قدموا على النبي صلى الله عليه وسلم فقرأ عليهم القرآن، فرقوا له، ففاضت أعينهم ولم يستكبروا، بعصمة الله إياهم عن الاستكبار، فدخلوا في دينه لما وضع الله تعالى من علمه فيهم". ثم قال: "فساد الدين بثلاث:
- الملوك إذا أخذوا في السرف والشهوات.
- والعلماء إذا أفتوا بالرخص.
- والقراء إذا تعبدوا بغير علم.
وإن العلماء يحتاج إليهم الخلق في الدنيا والآخرة، وقد حكي عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن أهل الجنة يحتاجون إلى العلماء في الجنة كما يحتاجون إليهم في الدنيا، يزورون ربهم في كل جمعة فيقال لهم: تمنوا ما شئتم. فينطلقون إلى العلماء، فيقول لهم العلماء: تمنوا كذا تمنوا كذا، فيتمنون» (?) " (?).
وقرئ: «ترى أعينهم»، على البناء للمجهول (?).
قوله تعالى: {مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ} [المائدة: 83]، أي: " من أجل معرفتهم أنه أنه حقٌّ منزل من عند الله تعالى" (?).
قال البيضاوي: " {مما عرفوا من الحق}، {من} الأولى للابتداء، والثانية لتبيين {ما عرفوا}، أو للتبعيض بأنه بعض {الحق}، والمعنى: أنهم عرفوا بعض الحق فأبكاهم فكيف إذا عرفوا كله" (?).
قال الواحدي: " يريد: الذي نزل على محمَّد وهو الحقُّ" (?).