و «فيض العين من الدمع»، امتلاؤها منه، ثم سيلانه منها، كفيض النهر من الماء، وفيض الإناء، وذلك سيلانه عن شدة امتلائه، ومنه قول الأعشى (?):

ففَاضَتْ دُمُوعِي، فَظَلَّ الشُّئُونُ: ... إمَّا وَكِيفًا، وَإِمَّا انْحِدَارَا (?)

قال الراغب: " «الفيض»: سيلان عن امتلاء، وأفضا لسيلانه وفاضته دمعة: إذا امتلأت العين ثم سالت، وعنه اسستعير خبر مستفيض، وأفاض القوم من عرفه، فذكر تعالى أنهم يبكون ويؤمنون بالنبي عليه الصلاة والسلام" (?).

قال الزمخشري: قوله: " {تفيض من الدمع}، معناه تمتلئ من الدمع حتى تفيض، لأن الفيض أن يمتلئ الإناء أو غيره حتى يطلع ما فيه من جوانبه، فوضع الفيض الذي هو من الامتلاء موضع الامتلاء، وهو من إقامة المسبب مقام السبب، أو قصدت المبالغة في وصفهم بالبكاء فجعلت أعينهم كأنها تفيض بأنفسها، أى تسيل من الدمع من أجل البكاء من قولك دمعت عينه دمعا" (?).

وقوله: {تفيض من الدمع}، من أبلغ العبارات، وأنهاها وهي ثلاث مراتب (?):

فالأولى: فاض دمع عينه، وهذا هو الأصل.

والثانية: محولة من هذه، وهي قول القائل: فاضت عينه دمعا حولت الفعل إلى العين مجازا ومبالغة، ثم نبهت على الأصل والحقيقة بنصب ما كان فاعلا على التمييز.

والثالثة: فيها هذا التحويل المذكور، وهي الواردة في الآية، إلا أنها أبلغ من الثانية باطراح المنبهة على الأصل وعدم نصب التمييز، وإبرازه في صورة التعليل. والله أعلم.

وإنما كان الكلام مع التعليل أبعد عن الأصل منه مع التمييز لأن التمييز في مثله قد استقر كونه فاعلا في الأصل في مثل: تصبب زيد عرقا، وتفقأ عمرو شحما، واشتعل الرأس شيبا، وتفجرت الأرض عيونا. فإذا قلت: فاضت عينه دمعا، فهم هذا الأصل في العادة في أمثاله. وأما التعليل فلم يعهد فيه ذلك. ألا تراك تقول: فاضت عينه من ذكر الله كما تقول فاضت عينه من الدمع، فلا يفهم التعليل ما يفهم التمييز.

عن هشام بن عروة، عن أبيه قال: كانوا يُرَوْن أن هذه الآية أنزلت في النجاشي: {وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع} " (?).

قال السدي: " بعث النجاشي إلى النبيّ -صلى الله عليه وسلم- اثنى عشر رجلا يسألونه ويأتونه بخبره، فقرأ عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم القرآن، فبكوا. وكان منهم سبعة رهبانٍ وخمسة قسيسين أو: خمسة رهبان، وسبعة قسيسين، فأنزل الله فيهم: {وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع}، إلى آخر الآية" (?).

قال ابن عباس: " بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم جعفر بن أبي طالب وابن مسعود وعثمان بن مظعون في رهط من أصحابه إلى النجاشي فلما دخلوا عليه قال: تعرفون ما أنزل إليكم قالوا نعم، قال: اقرءوا، فقرءوا وهنالك منهم قسيسين ورهبان وساير النصارى، فجعلت طائفة كلما قرءوا آية انحدرت دموعهم {مما عرفوا من الحق ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا وأنهم لا يستكبرون} {وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق} " (?).

طور بواسطة نورين ميديا © 2015