وفيه أيضًا عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "ما نقصت صدقة من مال وما زاد الله عبدا بعفو إلا عزا وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله" (?).

قال الشافعي: "التواضع من أخلاق الكرام، والتكبر من شيم اللئام، التواضع يورث المحبة، والقناعة تورث الراحة " (?).

قال عباس الدوري: "حدثنا علي بن أبي فزارة جارنا قال: كانت أمي مقعدة من نحو عشرين عامًا فقالت لي يومًا: اذهب إلى أحمد بن حنبل فسله أن يدعو لي، فأتيت فدققت عليه، وهو في دهليزه، فقال: من هذا؟ قلت: رجل سألتني أمي وهي مقعدة أن أسألك الدعاء، فسمعت كلامه كلام رجل مغضب فقال: نحن أحوج أن تدعو الله لنا، فوليت منصرفًا، فخرجت عجوزٌ فقالت: قد تركته يدعو لها، فجئت إلى بيتنا فدققت الباب فخرجت أمي على رجليها تمشي" (?). قال الذهبي: "هذه الواقعة نقلها ثقتان عن عباس" (?).

فهذا هو التواضع وهؤلاء هم الناس: {أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِه} [الأنعام/90].

القرآن

{وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (83)} [المائدة: 83]

التفسير:

ومما يدل على قرب مودتهم للمسلمين أن فريقًا منهم -وهم وفد الحبشة لما سمعوا القرآن- فاضت أعينهم من الدمع فأيقنوا أنه حقٌّ منزل من عند الله تعالى، وصدَّقوا بالله واتبعوا رسوله، وتضرعوا إلى الله أن يكرمهم بشرف الشهادة مع أمَّة محمد عليه السلام على الأمم يوم القيامة.

قوله تعالى: {وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ} [المائدة: 83]، أي: " أي إِذا سمعوا القرآن المُنْزَل على محمد رسول الله" (?).

قال الطبري: أي: " وإذا سمع هؤلاء الذين قالوا: إنا نَصَارى الذين وصفت لك، يا محمد، صفتهم أنك تجدهم أقرب الناس مودة للذين آمنوا" (?).

قال الواحدي: " يعني: النجاشيَّ وأصحابه قرأ عليهم جعفر بن أبي طالب بالحبشة {كهيعص} [مريم: 1] " (?).

قوله تعالى: {تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ} [المائدة: 83]، أي: " أي فاضت أعينهم بالدمع" (?).

قال الصابوني: أي: " من خشية الله لرقة قلوبهم وتأثرهم بكلام الله الجليل" (?).

قال البيضاوي: " عطف على {لا يستكبرون}، وهو بيان لرقة قلوبهم وشدة خشيتهم ومسارعتهم إلى قبول الحق وعدم تأبيهم عنه، والفيض انصباب عن امتلاء، فوضع موضع الامتلاء للمبالغة، أو جعلت أعينهم من فرط البكاء كأنها تفيض بأنفسها" (?).

طور بواسطة نورين ميديا © 2015