رهبانُ مديَن لو رأوك تنزَّلوا ... والعُصمُ من شَعَفِ العَقُول الفادِر
قوله: «الفادر»: المسن من الوعول. ويقال: العظيم، وكذلك الفدور والجمع فدر وفدور وموضعها المفدرة (?).
قال الطبري: " وقد يكون الرهبان واحدًا، وإذا كان واحدًا كان جمعه: رهابين، مثل: قربان وقرابين، وجُرْدان، وجرادين، ويجوز جمعه أيضًا: رهابنة، إذا كان كذلك، ومن الدليل على أنه قد يكون عند العرب واحدا، قول الشاعر (?):
لَوْ عَايَنَتْ رُهْبَانَ دَيْرٍ في الْقُلَلْ ... لانْحَدَرَ الرُّهْبَانُ يَمْشِي وَنزل" (?)
فان قيل: "كيف مدحهم بأن منهم قسيسين ورهبانا وليس ذلك من أمر شريعتنا؟
فالجواب: أنه مدحهم بالتمسك بدين عيسى حين استعملوا في أمر محمد ما أخذ عليهم في كتابهم، وقد كانت الرهبانية مستحسنة في دينهم. والمعنى: بأن فيهم علماء بما أوصى به عيسى من أمر محمد -صلى الله عليه وسلم-" (?).
قال القاضي أبو يعلى: "وربما ظن جاهل أن في هذه الآية مدح النصارى، وليس كذلك، لأنه إنما مدح من آمن منهم، ويدل عليه ما بعد ذلك، ولا شك أن مقالة النصارى أقبح من مقالة اليهود" (?).
قوله تعالى: {وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ} [المائدة: 82]، أي: " وأنهم متواضعون لا يستكبرون عن قَبول الحق، وهؤلاء هم الذين قبلوا رسالة محمد صلى الله عليه وسلم، وآمنوا بها" (?).
قال السمرقندي: " يعني: لا يتعظمون على الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن" (?).
قال ابن ابي زمنين: أي: " عن عبادة الله، والإيمان بالله" (?).
قال الثعلبي والبغوي (?): " لا يتكبرون عن الإيمان والإذعان للحق" (?).
قال الرااغب: أي: " أنهم يتحرون الحق ولا يستكبرون عن قبوله، والضمير في {أنهم} راجع إلى القسيسين والرهبان، وقيل: راجع إلى المعنيين بالدين كلهم" (?).
قال السعدي: " أي: ليس فيهم تكبر ولا عتو عن الانقياد للحق، وذلك موجب لقربهم من المسلمين ومن محبتهم، فإن المتواضع أقرب إلى الخير من المستكبر" (?).
قال الزمخشري: يعني: " أنهم قوم فيهم تواضع واستكانة ولا كبر فيهم، واليهود على خلاف ذلك. وفيه دليل بين على أن التعلم أنفع شيء وأهداه إلى الخير وأدله على الفوز حتى علم القسيسين، وكذلك غم الآخرة والتحدث بالعاقبة وإن كان في راهب، والبراءة من الكبر وإن كانت في نصراني" (?).
قال البيضاوي: أي: {لايستكبرون} " عن قبول الحق إذا فهموه، أو يتواضعون ولا يتكبرون كاليهود. وفيه دليل على أن التواضع والإقبال على العلم والعمل والإعراض عن الشهوات محمود وإن كانت من كافر" (?).
قال القرطبي: " وهذا المدح لمن آمن منهم بمحمد صلى الله عليه وسلم دون من أصر على كفره ولهذا قال: {وأنهم لا يستكبرون}، أي: عن الانقياد إلى الحق" (?).
قال السدي: " بعث النجاشي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم اثنى عشر رجلا سبعة قسيسين وخمسة رهبانا، ينظرون إليه ويسألونه، فلما لقوه فقرأ عليهم ما أنزل إليه بكوا وأسفوا فأنزل الله فيهم وأنهم لا يستكبرون" (?).
الفوائد:
1 - عظم عداوة اليهود والمشركين للإسلام والمسلمين، فوجب المزيد من الحذر من كيدهم وعداوتهم.
2 - قرب النصارى الصادقين في نصرانيتهم من المسلمين.
قال العلّامة ابن باز: " فالنصارى أقرب وقلوبهم ألين من قلوب اليهود لأن علتهم الجهل والضلال فإذا عرفوا وبين لهم رجع كثير منهم إلى الحق أما علة اليهود فليست الجهل، بل علتهم الحسد والبغي وعلتهم مخالفة الحق على بصيرة فعلتهم خبيثة وهي التكبر عن اتباع الحق والحسد لأهل الحق ولهذا قل وندر من يسلم منهم نعوذ بالله من ذلك" (?).
وقد عقد الألوسي في تفسيره: روح المعاني. مقارنة بينهما ومما ذكر من ذلك ما يلي (?):
أولا: -ـ اليهود أشد في الكفر والعناد وأعظم في الخبث والفساد، ولذا قال تعالى: {لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آَمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا} [المائدة: 82]، والنصارى دون ذلك، وأقرب للإسلام منهم.
ثانيا: ـ أنهم كفروا بنبيين محمد وعيسى عليهما الصلاة والسلام، والنصارى كفروا بنبي واحد وهو نبينا محمد صلى الله عليه وسلم.
ثالثا: - أن فضائح اليهود وفظائعهم أكثر مما عند النصارى، وقول النصارى بالتثليث ليس أفظع من قول اليهود: {إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ} [آل عمران: 181]، وقولهم: {يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ} [المائدة: 64] وقولهم: {عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ} [التوبة: 30].
رابعا: -أن من أخص أسباب وصف اليهود بالغضب كونهم قد فسدوا بعد علم، والنصارى فسدوا عن جهل فوصفوا بالضلال، لأن الضال قد يهتدي.
3 - فضيلة التواضع، وقبح الكبر.
في الحديث الصحيح عن عياض رضي الله عنه قال: قال رسول الله-صلى الله عليه وسلم-: " إن الله أوحى إلي أن تواضعوا حتى لا يبغي أحد على أحد، ولا يفخر أحد على أحد " (?).