- ومنها: أن ذلك يجرئ العصاة والفسقة على الإكثار من المعاصي إذا لم يردعوا عنها، فيزداد الشر، وتعظم المصيبة الدينية والدنيوية، ويكون لهم الشوكة والظهور، ثم بعد ذلك يضعف أهل الخير عن مقاومة أهل الشر، حتى لا يقدرون على ما كانوا يقدرون عليه أولا.

- ومنها: أن - في ترك الإنكار للمنكر- يندرس العلم، ويكثر الجهل، فإن المعصية- مع تكررها وصدورها من كثير من الأشخاص، وعدم إنكار أهل الدين والعلم لها - يظن أنها ليست بمعصية، وربما ظن الجاهل أنها عبادة مستحسنة، وأي مفسدة أعظم من اعتقاد ما حرم الله حلالا؟ وانقلاب الحقائق على النفوس ورؤية الباطل حقا؟ "

- ومنها: أن السكوت على معصية العاصين، ربما تزينت المعصية في صدور الناس، واقتدى بعضهم ببعض، فالإنسان مولع بالاقتداء بأضرابه وبني جنسه، ومنها ومنها.

فلما كان السكوت عن الإنكار بهذه المثابة، نص الله تعالى أن بني إسرائيل الكفار منهم لعنهم بمعاصيهم واعتدائهم، وخص من ذلك هذا المنكر العظيم.

3 - دلت هذه الآية على المذهب الصحيح الأشعرى، من أن متعلق النهي فعل وهو الترك، خلافا لأبى هاشم المعتزلي في قوله «إن متعلقه نفى محض وعدم صرف» (?)، ووجه دلالة الآية على أن متعلقه فعل، أنه عبر عن ترك التناهى الذي وقع توبيخهم عليه بالفعل، حيث قال: {لبئس ما كانوا يفعلون}، أى: لبئس الترك للتناهي فعلا، كما تقول: زيد بئس الرجل، فتجعل الرجل واقعا على زيد.

وقد سمى تركهم للنهى عن المنكر في الآية السالفة قبل هذه صنعا، فقال: {لولا ينهاهم الربانيون والأحبار} إلى قوله: {لبئس ما كانوا يصنعون} وذلك أبلغ في الدلالة على أن متعلق النهى أمر ثابت، إذ «الصنع» أمكن من الفعل في الدلالة على الإثبات (?).

القرآن

{تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ (80)} [المائدة: 80]

التفسير:

تَرَى -أيها الرسول- كثيرًا من هؤلاء اليهود يتخذون المشركين أولياء لهم، ساء ما عملوه من الموالاة التي كانت سببًا في غضب الله عليهم، وخلودهم في عذاب الله يوم القيامة.

قوله تعالى: {تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا} [المائدة: 80]، أي: " تَرَى -أيها الرسول- كثيرًا من هؤلاء اليهود يتخذون المشركين أولياء لهم" (?).

قال مكي: " المعنى: ترى يا محمد كثيراً من اليهود يوالون المشركين من عبدة الأوثان ويعادون أولياء الله" (?).

قال الواحدي: " أي: من اليهود يتولون كفار مكة، يعني كعب بن الأشرف وأصحابه حين استجاشوا المشركين على رسول الله - صلى الله عليه وسلم –" (?).

قال الزمخشري: " هم منافقو أهل الكتاب، كانوا يوالون المشركين ويصافونهم" (?).

قال ابن عطية: " {ترى كثيرا}، يحتمل أن يكون رؤية قلب وعلى هذا فيحتمل أن يريد من الأسلاف المذكورين، أي ترى الآن إذا خبرناك، ويحتمل أن يريد من معاصري محمد صلى

طور بواسطة نورين ميديا © 2015