إنهم اتخذوا كل الوسائل في تكذيب النبي محمد -صلى الله عليه وسلم- كما كذبوا رسلا من قبله، وحاولوا قتله، كما قتلوا رسلا من قبله حتى وصموا بهذه الصفة، ولازمتهم تلك الذلة والمسكنة حين قال الله: {ضربت عليهم الذلة أين ما ثقفوا إلا بحبل من الله وحبل من الناس وباءوا بغضب من الله وضربت عليهم المسكنة ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون الأنبياء بغير حق ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون} [آل عمران: 112].
وحين طالبهم النبي -عليه الصلاة والسلام- بالإيمان به ردوا قائلين كما قال القرآن: {الذين قالوا إن الله عهد إلينا ألا نؤمن لرسول حتى يأتينا بقربان تأكله النار قل قد جاءكم رسل من قبلي بالبينات وبالذي قلتم فلم قتلتموهم إن كنتم صادقين} [آل عمران: 183] ومن ثم أبوا أن يؤمنوا بالنبي محمد -صلى الله عليه وسلم- وهو النبي الخاتم المذكور في توراتهم، والمصرح به كما سنذكر ذلك بعد قليل إن شاء الله -تبارك وتعالى.
إذا فهم مع الإيمان بالرسل على نحو ما ذكرنا، ولهم دور كبير مع النبي محمد عليه الصلاة والسلام في المجادلة واللجاج، والتعنت في الأسئلة وفي المواقف، وفي كل شيء؛ ولذلك حكى القرآن الكريم هذا عنهم فيما ذكروه من أسئلة ومجادلات مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وفيما وقع منهم من فساد؛ فجدالهم لم ينقطع، واستهزاؤهم بالدين لم ينته، أذكر من هذا على سبيل المثال لا الحصر؛ المجادلات، والمخاصمات الكلامية التي أرادوا من ورائها الطعن في الإسلام، ونبي الإسلام -عليه الصلاة والسلام- فجادلوا في نبوة النبي محمد -عليه الصلاة والسلام- بقصد الطعن فيها، وصرحوا بأن محمدا -صلى الله عليه وسلم- ليس هو النبي المنتظر التي بشرت به الكتب السماوية بعد أن عرفوا صدقه، كما يعرفون أبناءهم.
ولم يكتف اليهود بكل هذا؛ فبعد فشلهم في هذه المجادلات، وتلك المحاولات راحوا ينقضون المعاهدات، ويدبرون المؤامرات، ويقاتلون رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كما حدث هذا في بني قينقاع، وبنو النضير، وبنو قريظة، ولهم أحابيل شيطانية، حاولوا بها تفريق الكلمة، وتمزيق الأمة، وإشاعة البغضاء بين الأوس والخزرج مرة، وبين المهاجرين والأنصار أخرى، عاهدهم النبي -عليه الصلاة والسلام- معاهدة عدل وبر، وقسط ورحمة، ومع ذلك نقضوا عهود، فهم اليهود قتلة الأنبياء، نقضة العهود، وكما قال القائل: لو تركت الحمر نهيقها، والكلاب نباحها، والحيات لدغها ما ترك اليهود نقضهم للعهود؛ فقد كانت مواقفهم مع أنبياء الله ورسله بصفة عامة، كما حكاه القرآن {كلما جاءهم رسول بما لا تهوى أنفسهم فريقا كذبوا وفريقا يقتلون} [المائدة: 70].
ومع رسول الله محمد -صلى الله عليه وسلم- بصفة خاصة على نحو ما أسلفنا من المجادلات والمحاولات، ونقض المعاهدات، وتدبير المؤامرات، واستمر ذلك بعد النبي -عليه الصلاة والسلام- وإلى هذا العصر الحديث.
القرآن
{وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُوا وَصَمُّوا ثُمَّ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (71)} [المائدة: 71]
التفسير:
وظنَّ هؤلاء العُصاة أن الله لن يأخذهم بالعذاب جزاء عصيانهم وعُتُوِّهم، فمضوا في شهواتهم، وعمُوا عن الهدى فلم يبصروه، وصَمُّوا عن سماع الحقِّ فلم ينتفعوا به، فأنزل الله بهم بأسه، فتابوا فتاب الله عليهم، ثم عَمِي كثيرٌ منهم، وصمُّوا، بعدما تبين لهم الحقُّ، والله بصير بأعمالهم خيرها وشرها وسيجازيهم عليها.
قوله تعالى: {وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ} [المائدة: 71]، أي: " وظنَّ هؤلاء العُصاة أن الله لن يأخذهم بالعذاب جزاء عصيانهم وعُتُوِّهم" (?).