قال الزمخشري: " فإن قلت: لم جيء بأحد الفعلين ماضيا «2» وبالآخر مضارعا؟ قلت: جيء يقتلون على حكاية الحال الماضية استفظاعا للقتل واستحضارا لتلك الحال الشنيعة للتعجب منها" (?).

قال البيضاوي: " وإنما جيء بـ {يقتلون}، موضع «قتلوا»، على حكاية الحال الماضية استحضارا لها واستفظاعا للقتل، وتنبيها على أن ذلك من ديدنهم ماضيا ومستقبلا ومحافظة على رؤوس الآي" (?).

الفوائد:

1 - بيان تاريخ بني إسرائيل، والكشف عن مختبئات جرائمهم من الكفر والقتل.

2 - أن عقيدة اليهود: الكفر برسل الله، والوقاحة الدائمة مع رسل الله، واتهام رسل الله، وتقتيل رسل الله، إنهم كما قال الله: {لقد أخذنا ميثاق بني إسرائيل وأرسلنا إليهم رسلا كلما جاءهم رسول بما لا تهوى أنفسهم فريقا كذبوا وفريقا يقتلون} [المائدة: 70].

تأمل فريقا كذبوا وفريقا يقتلون كما قال الله عنهم: {أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم ففريقا كذبتم وفريقا تقتلون} [البقرة: 87].

ويلاحظ هنا استعمال أداة العموم، والتكرار كلما تعبيرا عن اطراد اليهود على التكذيب، أو القتل للرسل إذا جاءهم بما لا تهوى أنفسهم الضالة فكم من رسل قتلوهم، وكم من رسل كذبوهم، وكم من رسل شنعوا عليهم واتهموهم، وهذا سيدنا عيسى -عليه السلام- نال منهم حظا وافرا حين اتهموه -عليه السلام- بأنه ابن زنا -والعياذ بالله- اتهموه مع أمه اتهموا مريم الطاهرة البتول بأنها زانية، وأن عيسى -عليه السلام- هو ابن زنا، فنعى الله -عز وجل- عليهم هذا في قوله سبحانه: {وبكفرهم وقولهم على مريم بهتانا عظيما * وقولهم إنا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم وإن الذين اختلفوا فيه لفي شك منه ما لهم به من علم إلا اتباع الظن وما قتلوه يقينا} [النساء: 156، 157].

سبحان الله ما هذا الافتراء على الله، وما هذا الكذب على رسل الله، بل قتل الأنبياء ما هذه الاتهامات؟ ما هذه الخسائس، وتلك الشناعات؟

وأما موقف اليهود من نبينا محمد -صلى الله عليه وسلم، فأي أمة في التاريخ بلغت في النكالة، والإفك مبلغ هؤلاء اليهود حين فعلوا هذا مع أنبياء الله ورسله؟ وحين تعنتوا معهم، وتعنتوا مع سيدنا محمد -صلى الله عليه وسلم- تعنتوا معه في الأسئلة فكما قال الله: {يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتابا من السماء فقد سألوا موسى أكبر من ذلك فقالوا أرنا الله جهرة فأخذتهم الصاعقة بظلمهم ثم اتخذوا العجل من بعد ما جاءتهم البينات فعفونا عن ذلك وآتينا موسى سلطانا مبينا} [النساء: 153] فكذبوا رسول الله، وأرادوا قتله عشرات المرات، ولكن الله -عز وجل- عصمه منهم.

وأخبر تعالى بقوله: {وهموا بما لم ينالوا} [التوبة: 74] وقال في حق نبيه -عليه الصلاة والسلام-: {والله يعصمك من الناس} [المائدة: 67] وأصروا على موقفهم بل على كفرهم، وأبوا أن يؤمنوا بالنبي محمد -صلى الله عليه وآله وسلم- فقال الله عنهم: {ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم} بالبقرة: 120].

استبان الحق لهم واضحا، فأبوا أن يتبعوه مع وضوحه وضوح الشمس حتى قال الله -عز وجل- لنبيه -عليه الصلاة والسلام-: {ولئن أتيت الذين أوتوا الكتاب بكل آية ما تبعوا قبلتك وما أنت بتابع قبلتهم وما بعضهم بتابع قبلة بعض ولئن اتبعت أهواءهم من بعد ما جاءك من العلم إنك إذا لمن الظالمين} [البقرة: 145]، ولم يكتفوا بهذا، بل راحوا يجاهدون أو يقاتلون باطلا لردة الناس عن دينهم {ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا} [البقرة: 217].

طور بواسطة نورين ميديا © 2015