قال ابن كثير: " يعني: المنافقين محيرين بين الإيمان والكفر، فلا هم مع المؤمنين ظاهرًا وباطنًا، ولا مع الكافرين ظاهرًا وباطنًا، بل ظواهرهم مع المؤمنين، وبواطنهم مع الكافرين. ومنهم من يعتريه الشك، فتارة يميل إلى هؤلاء، وتارة يميل إلى أولئك {كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا} الآية [البقرة: 20] " (?).
عن أبي الأحوص قال عبدالله: " مثل المؤمن والمنافق والكافر مثل ثلاثة نفر انتهوا إلى وادي فوقع أحدهم فعبر، ثم وقع الآخر حتى أتى على نصف الوادي ناداه الذي على شفير الوادي: ويلك أين تذهب؟ إلى الهلكة، إرجع عودك على بدئك، وناداه الذي عبر: هلم النجاة فجعل ينظر إلى هذا مرة وإلى هذا مرة، قال: فجاء سيل فأغرقه والذي عبر المؤمن والذي غرق المنافق، مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء والذي مكث الكافر" (?).
وأصل " التذبذب ": التحرك والاضطراب (?)، أو خوف أو إسراع في مشي ونحوه (?)، كما قال النابغة (?):
أَلم تَرَ أَنَّ الله أَعْطَاكَ سُورَةً ... تَرَى كُلَّ مَلْكٍ دُونَهَا يَتَذَبْذَبُ
ومنه قول البعيث بن حريث (?):
خيال لأم السلسبيل ودونها ... مسيرة شهر للبريد المذبذب
قال الزمخشري: " وحقيقة المذبذب الذي يذب عن كلا الجانبين أى يذاد ويدفع فلا يقر في جانب واحد، كما قيل: فلان يرمى به الرحوان (?)، إلا أن الذبذبة فيها تكرير ليس في الذب كأن المعنى: كلما مال إلى جانب ذب عنه" (?).
وقرأ الحسن بن أبي الحسن: «مذبذبين»، بفتح الميم والذالين (?)، قال ابن عطية: "وهي قراءة مردودة" (?).
وفي قراءة ابن عباس وعمرو بن فايد: «مُذَبْذِبِين»، بكسر الذال الثانية (?).
قال ابن جني: " أي: المهتز القلق الذي لا يثبت في مكان، فكذلك هؤلاء: يخِفُّون تارة إلى هؤلاء وتارة إلى هؤلاء ... وهو من ذَبَّبْتُ عن الشيء: أي صرفت عنه شيئَا يريده إلى غير جهته، وقريب من لفظه، إلا أنه ليس من لفظه" (?).
وفي مصحف عبد الله: «متذبذبين» (?).
وعن أبى جعفر: «مدبدبين»، بالدال غير المعجمة (?)، قال الزمخشري: " وكأن المعنى: أخذ بهم تارة في دبة وتارة في دبة، فليسوا بماضين على دبة واحدة. و «الدبة»: الطريقة، ومنها: دبة قريش. وذلك إشارة إلى الكفر والإيمان" (?).
قوله تعالى: {لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ} [النساء: 143]، أي: " فلا هم مع المؤمنين ولا هم مع الكافرين" (?).