وفي تسمية ذكرهم بالقليل أربعة أقوال:
أحدها: أنه سمي قليلا، لأنه غير مقبول، قاله علي -رضي الله عنه- (?)، وقتادة (?).
والثاني: لأنه رياء، ولو كان لله لكان كثيرا، قاله ابن عباس (?)، والحسن (?).
والثالث: أنه قليل في نفسه، لاقتصاره على ما يظهر من التكبير دون ما يخفي من القراءة والتسبيح، وإنما قّلَّ من أجل اعتقادهم لا من قلة ذكرهم، ذكره الماوردي (?).
والرابع: أنه قليل بالنسبة إلى خوضهم في الباطل وقولهم الزور والكفر. ذكره ابن عطية (?).
قال الزمخشري: أي: " ولا يصلون إلا قليلا لأنهم لا يصلون قط غائبين عن عيون الناس إلا ما يجاهرون به، وما يجاهرون به قليل أيضا لأنهم ما وجدوا مندوحة من تكلف ما ليس في قلوبهم لم يتكلفوه. أو ولا يذكرون الله بالتسبيح والتهليل إلا ذكرا قليلا في الندرة، وهكذا ترى كثيرا من المتظاهرين بالإسلام لو صحبته الأيام والليالي لم تسمع منه تهليلة ولا تسبيحة ولا تحميدة، ولكن حديث الدنيا يستغرق به أوقاته لا يفتر عنه. ويجوز أن يراد بالقلة العدم" (?).
الفوائد:
1 - بيان صفات المنافقين.
2 - قبح الرياء وذم المرائين.
3 - ذم ترك الذكر والتقليل منه لأمر الله تعالى بالإكثار منه في قوله {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللهَ ذِكْراً كَثِيراً}.
القرآن
{مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا (143)} [النساء: 143]
التفسير:
إنَّ مِن شأن هؤلاء المنافقين التردد والحَيْرة والاضطراب، لا يستقرون على حال، فلا هم مع المؤمنين ولا هم مع الكافرين. ومن يصرف الله قلبه عن الإيمان به والاستمساك بهديه، فلن تجد له طريقًا إلى الهداية واليقين.
قوله تعالى: {مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ} [النساء: 143]، أي: " إنَّ مِن شأن هؤلاء المنافقين التردد والاضطراب بين الكفر والإيمان" (?).
قال ابن عطية: "معناه: مضطربين لا يثبتون على حال" (?).
قال الطبري: أي: " مردّدين، وإنما عنى الله بذلك: أن المنافقين متحيِّرون في دينهم، لا يرجعون إلى اعتقاد شيء على صحة، فهم لا مع المؤمنين على بصيرة، ولا مع المشركين على جهالة، ولكنهم حيارَى بين ذلك، فمثلهم المثلُ الذي ضرب لهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: عن ابن عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مَثَلُ المنافق كمثل الشَّاة العائرة بين الغنمين، تَعِير إلى هذه مرة، وإلى هذه مرة، لا تدري أيَّهُما تَتْبع! » (?) " (?).
قال الزمخشري: " ذبذبهم الشيطان والهوى بين الإيمان والكفر، فهم مترددون بينهما متحيرون" (?).
قال مجاهد: " هم المنافقون" (?).