وأما «الحميد» فهو من أسماء الله تعالى الجليلة الدال على أنه [هو] المستحق لكل حمد ومحبة وثناء وإكرام، وذلك لما اتصف به من صفات الحمد، التي هي صفة الجمال والجلال، ولما أنعم به على خلقه من النعم الجزال، فهو المحمود على كل حال.

وما أحسن اقتران هذين الاسمين الكريمين {الغني الحميد}! ! فإنه غني محمود، فله كمال من غناه، وكمال من حمده، وكمال من اقتران أحدهما بالآخر.

ثم كرر إحاطة ملكه لما في السماوات وما في الأرض، وأنه على كل شيء وكيل، أي: عالم قائم بتدبير الأشياء على وجه الحكمة، فإن ذلك من تمام الوكالة، فإن الوكالة تستلزم العلم بما هو وكيل عليه، والقوة والقدرة على تنفيذه وتدبيره، وكون ذلك التدبير على وجه الحكمة والمصلحة، فما نقص من ذلك فهو لنقص بالوكيل، والله تعالى منزه عن كل نقص" (?).

القرآن

{وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (132)} [النساء: 132]

التفسير:

ولله ملك ما في هذا الكون من الكائنات، وكفى به سبحانه قائمًا بشؤون خلقه حافظًا لها.

قوله تعالى: {وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ} [النساء: 132]، أي: " ولله ملك ما في هذا الكون من الكائنات" (?).

قال الطبري: اي: " ولله ملك جميع ما حوته السموات والأرض" (?).

قال عثمان بن سعيد: " قال جبريل: يا محمد، لله الخلق كله والسموات كلهن ومن فيهن والأرضون كلهن ومن فيهن، ومن بينهن مما يعلم ومما لا يعلم" (?).

قوله تعالى: {وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا} [النساء: 132]، أي: " وكفى به سبحانه قائمًا بشؤون خلقه حافظًا لها" (?).

قال الطبري: اي: " وهو القيِّم بجمعيه، والحافظ لذلك كله، لا يعزب عنه علم شيء منه، ولا يؤوده حفظه وتدبيره" (?).

قال ابن كثير: " أي: هو القائم على كل نفس بما كسبت، الرقيب الشهيد على كل شيء" (?).

عن قتادة: " {وكفى بالله وكيلا}، قال: حفيظًا" (?).

وعن الضحاك عن ابن عباس: "يعني: دافعا مجيرا" (?).

وعن عكرمة عن ابن عباس: "يعني: شهيدا [أن فيها عبيدا] (?) " (?).

الفوائد

1 - غنى الله تعالى عن سائر خلقه.

2 - فالله هو المالك وحده لا شريك له للسماوات والأرض وما فيهما، فلا منازع له، وذلك أمر يستدعي الوقوف والتدبر والتسليم لأمر من لا منازع له.

القرآن

{إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ قَدِيرًا (133)} [النساء: 133]

التفسير:

إن يشأ الله يُهلكُّم أيها الناس، ويأت بقوم آخرين غيركم. وكان الله على ذلك قديرًا.

قوله تعالى: {إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ} [النساء: 133]، أي: " إن يشأ الله يُهلكُّم أيها الناس" (?).

قال الثعلبي: " فيميتكم، يعني: الكفار" (?).

قال القرطبي: " يعني بالموت، {أيها الناس}: يريد المشركين والمنافقين" (?).

قال الطبري: " أي: يذهبكم بإهلاككم وإفنائكم، توعَّدهم بالهلاك والاستئصال، إن هم فعلوا فعل ابن أبيرق" (?).

وضعّفه ابن عطية، فقال: " وقال الطبري: هذا الوعيد والتوبيخ هو للقوم الذين شفعوا في طعمة بن أبيرق وخاصموا عنه في أمر خيانته في الدرع والدقيق، وهذا تأويل بعيد واللفظ إنما يظهر حسن رصفه بعمومه وانسحابه على العالم جملة أو العالم الحاضر، [فإن] قوله تعالى: {أيها الناس}، مخاطبة للحاضرين من العرب، وتوقيف للسامعين لتحضر أذهانهم" (?).

قوله تعالى: {وَيَأْتِ بِآخَرِينَ} [النساء: 133]، أي: " ويأت بقوم آخرين غيركم" (?).

قال الزمخشري: أي: " ويأت بأناس آخرين يوالونه" (?).

قال الثعلبي: " يعنى: بغيركم خيرا منكم وأطوع" (?).

قال القرطبي: " يعني: [ويأت] بغيركم، وقيل: الآية عامة، أي وإن تكفروا يذهبكم ويأت بخلق أطوع لله منكم. وهذا كما قال في آية أخرى: {وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ} (?) " (?).

قال الطبري: " يقول: ويأت بناس آخرين غيركم لمؤازرة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم ونصرته، وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنها لما نزلت، ضرب بيده على ظهر سَلْمان فقال: «هم قوم هذا» (?)، يعني: عجم الفرس" (?).

قال الراغب: " قوله: {يذهبكم} على هذا، ليس يشير إلى الأعيان فقط، بل إلى الأنواع الذين هم العرب والعجم" (?).

قال ابن عطية: " قوله: {بآخرين}، يريد من نوعكم، وتحتمل ألفاظ الآية أن تكون وعيدا لجميع بني آدم، ويكون الآخرون من غير نوعهم، كما قد روي: أنه كان في الأرض ملائكة يعبدون الله قبل بني آدم" (?).

عن قتادة في قوله: " {إن يشأ يذهبكم أيها الناس ويأت بآخرين وكان الله على ذلك قديرًا}: قادرٌ واللهِ ربُّنا على ذلك: أن يهلك من يشاء من خلقه، ويأتي بآخرين من بعدهم" (?).

قال القرطبي: " في الآية تخويف وتنبيه لجميع من كانت له ولاية وإمارة ورئاسة فلا يعدل في رعيته، أو كان عالما فلا يعمل بعلمه ولا ينصح الناس، أن يذهبه ويأتي بغيره" (?).

قوله تعالى: {وَكَانَ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ قَدِيرًا} [النساء: 133]، أي: " وكان لله على ذلك ذا قدرة" (?).

قال الثعلبي: " أي: مستطيعا على ذلك" (?).

طور بواسطة نورين ميديا © 2015