1 - أما الأول فإن الله جل ذكره نبه الخلق على ملكه بعقب قوله: {وَكَانَ الله وَاسِعاً}، فأخبر أن من سعته أن له ما في السموات والأرض، وفي هذا تقوية لقول أبي عمرو: أن الواسع: الغني، ثم رجع تعالى بعد إعلامه إيانا، وتنبيهه على ملكه إلى إعلامه إيانا أنه قد وصى من كان قبلنا بتقواه كما وصانا بالتقوى في الأزواج وغيرها، والذين من قبلنا من أهل الكتاب وصاهم بذلك في التوراة والإنجيل، وصانا نحن في القرآن بالتقوى أيضاً، فقال: {أَنِ اتقوا الله}.

2 - ثم قال: {وَإِن تَكْفُرُوا} كما كفر أهل الكتاب {فَإِنَّ للَّهِ مَا فِي السماوات [وَمَا فِي الأرض]} إنه لا يضره كفرهم إذ له كل شيء، كما لم يضره ما فعل أهل الكتاب في مخالفتهم أمره، {وَكَانَ الله غَنِيّاً} أي غني عن خلقه، فأخبرنا في هذه الآية بغناه عنا، وحاجتنا إليه.

3 - [ثم] أعلمنا في الآية الثالثة بحفظه لنا، وعلمه بنا فقال {وَللَّهِ مَا فِي السماوات وَمَا فِي الأرض وكفى بالله وَكِيلاً} أي كفى به حفيظاً (?).

فهذا فائدة التكرير أنه تعالى نبهنا على ملكه، وسعته بعد قوله {وَكَانَ الله وَاسِعاً}. فأعلمنا أنه من سعة ملكه أن له ما في السموات وما في الأرض.

وأعلمنا في الثانية بحاجتنا إليه، وغناه عنا.

وفي الثالثة أعلمنا بحفظه لنا وعلمه بتدبيرنا" (?).

الفوائد:

1 - أن الله تعالى أخبر عن عموم ملكه العظيم الواسع المستلزم تدبيره بجميع أنواع التدبير، وتصرفه بأنواع التصريف قدرا وشرعا، فتصرفه الشرعي أن وصى الأولين والآخرين أهل الكتب السابقة واللاحقة بالتقوى المتضمنة للأمر والنهي، وتشريع الأحكام، والمجازاة لمن قام بهذه الوصية بالثواب، والمعاقبة لمن أهملها وضيعها بأليم العذاب (?).

2 - الوصية بالتقوى، وذلك بترك الشرك والمعاصي بعد الإيمان وعمل الصالحات.

3 - إثبات اسمين من أسمائه تعالى، وهما: «الغني»، «الحميد»:

فـ «الغني»، صفة ذاتية ثابتة لله تعالى، وهو من أسمائه تعالى، "فله سبحانه الغنى التام المطلق من كل وجه؛ بحيث لا تشوبه شائبة فقر وحاجة أصلا، وذلك لأن غناه وصف لازم له، لا ينفك عنه؛ لأنه مقتضى ذاته، وما بالذات لا يمكن أن يزول؛ فيمتنع أن يكون إلا غنيا كما يمتنع أن يكون إلا جوادا محسنا برا رحيما كريما" (?).

جاء في حديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعا: "بينا أيوب عليه السلام يغتسل عريانا ... فناداه ربه عز وجل: يا أيوب! ألم أكن أغنيتك عما ترى؟ قال: بلى وعزتك ... " (?).

وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه: "قال الله تعالى: أنا أغنى الشركاء عن الشرك ... " (?).

و«الحميد»: اسم من اسمائه سبحانه، قالابن الاثير: " الحميد: المحمود، الذي استحق الحمد بفعله، وهو فعيل بمعنى مفعول" (?).

جاء في حديث كعب بن عجرة رضي الله عنه في التشهد: " ... قولوا: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد" (?).

قال السعدي: " ومن تمام غناه أنه كامل الأوصاف، إذ لو كان فيه نقص بوجه من الوجوه، لكان فيه نوع افتقار إلى ذلك الكمال، بل له كل صفة كمال، ومن تلك الصفة كمالها، ومن تمام غناه أنه لم يتخذ صاحبة ولا ولدا، ولا شريكا في ملكه ولا ظهيرا، ولا معاونا له على شيء من تدابير ملكه.

ومن كمال غناه افتقار العالم العلوي والسفلي في جميع أحوالهم وشئونهم إليه وسؤالهم إياه جميع حوائجهم الدقيقة والجليلة، فقام تعالى بتلك المطالب والأسئلة وأغناهم وأقناهم، ومن عليهم بلطفه وهداهم.

طور بواسطة نورين ميديا © 2015