قال السعدي: " أي: مع الإضلال، لأمنينهم أن ينالوا ما ناله المهتدون. وهذا هو الغرور بعينه، فلم يقتصر على مجرد إضلالهم حتى زين لهم ما هم فيه من الضلال. وهذا زيادة شر إلى شرهم حيث عملوا أعمال أهل النار الموجبة للعقوبة وحسبوا أنها موجبة للجنة" (?).

وفي قراءة أبيّ: «وأمنيهم» (?).

قوله تعالى: {وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ} [النساء: 119]، أي: " أي ولآمرنهم بتقطيع آذان الأنعام" (?).

قال الماوردي: " أي: لَيُقَطِّعُنَّهَا نُسكاً لأوثانهم كالبحيرة والسائبة" (?).

قال النسفي: " البتك القطع والتبتيك للتكثير والتكرير أي لأحملنهم على أن يقطعوا آذان الأنعام وكانوا يشقون آذان الناقة إذا ولدت خسمة أبطن وجاء الخامس ذكراً وحرموا على أنفسهم الانتفاع بها" (?).

قال الزجاج: " كانه - واللَّه أعلم - ولآمُرنَهم بِتَبْتِيكِ آذان الأنعام فليبتكُنَ، أي يشقِقُن، يقال بتكْتُ الشيءَ أبْتِكه بَتْكاً إِذا قطعته، وبِتْكَة وبِتَكُ، مثل قطعة وقطع، وهذا في البَحِيرةِ، كانت الجاهلية إِذا ولدت الناقة خمسة أبطن فكان الخامس ذكَراً شقوا أذن الناقة وأمتنعوا من الانتفاع بها ولم تطرد عن ماءٍ ولا مرْعًى، وإِذا لقيها المعْي لم يركبها. فهذا تأويل: {فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ}. سَوَّلَ لهم إِبليس أن في تركها لا ينتفع بها قربة إِلى الله" (?).

قوله تعالى: {وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ} [النساء: 119]، أي: " ولأدعونَّهم إلى تغيير خلق الله في الفطرة" (?).

قال الزجاج: " قيل إِن معناه أن الله خلق الأنعام ليركبوها ويأكلوها فحرموها على أَنفسَهِم، وخلق الشمس والقمر والأرض والحجارة سخْرة للناس ينْتَفعون بها فعبدهَا المشرِكون، فغيروا خلق اللَّه، أي دِينَ اللَّه، لأن الله فطر الخلق على الِإسلام، خلقهم من بطن آدَمَ كالذر، وأشهدَهُمْ أنه ربهم فآمنوا، فمن كفر فقد غير فِطْرَة الله التي فَطَرَ الناسَ عليها، فأمَّا قوله: {لا تَبديلَ لِخَلق الله} (?)، فإنَّ معناهُ ما خلقه الله هو الصحيح، لا يقْدِر أحد أن يُبَدل معنى صحة الدين" (?).

وفي قوله تعالى: {وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ} [النساء: 119]، وجوه:

أحدها: يعني دين الله، وهذا قول ابن عباس-في إحدى الروايات- (?)، والحسن (?)، وقتادة (?)، والضحاك (?)، والسدي (?)، ومجاهد (?)، وعكرمة-في إحدى الروايات- (?)، وإبراهيم (?)، وابن أبي بزة (?)، وابن زيد (?)، واختيار الطبري (?)، والزجاج (?)، والواحدي (?).

والثاني: أنه أراد به خصاء البهائم، وهذا قول ابن عباس أيضا (?)، وأنس (?)، وعكرمة (?)، وشهر بن جوشب (?).

والثالث: أنه الوشم، وهو قول ابن مسعود (?)، والحسن (?).

قال ابن مسعود: "لعن الله الوَاشِرَات والمُسْتَوْشِمَات والمُتَنَمِّصات والمُتَفَلِّجات للحسن المغِّيرات خلق الله" (?).

والراجح-والله أعلم- أن معناه: "دين الله، وذلك لدلالة الآية الأخرى على أن ذلك معناه، وهي قوله: {فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ}، [سورة الروم: 30]، وإذا كان ذلك معناه، دخل في ذلك فعل كل ما نهى الله عنه: من خِصَاءِ ما لا يجوز خصاؤه، ووشم ما نهى عن وشمه وَوشْرِه، وغير ذلك من المعاصي ودخل فيه ترك كلِّ ما أمر الله به. لأن الشيطان لا شك أنه يدعو إلى جميع معاصي الله وينهى عن جميع طاعته. فذلك معنى أمره نصيبَه المفروضَ من عباد الله، بتغيير ما خلق الله من دينه" (?).

قوله تعالى: {وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ} [النساء: 119]، أي: " أي ومن يتول الشيطان ويطعْه ويترك أمر الله" (?).

قال السمعاني: " أي: يواليه باتباعه" (?).

قال السمرقندي: " أي: يعبد الشيطان ويطيعه، {من دون الله}، يعني: ترك أمر الله تعالى وطاعته" (?).

قال البيضاوي: " بإيثاره ما يدعو إليه على ما أمر الله به ومجاوزته عن طاعة الله سبحانه وتعالى إلى طاعته" (?).

قال الواحدي: " يريد من يُطعه فيما يدعو إليه من الضلال، فكل من أطاعه فهو ولي له وإن لم يقصد أن يتولاه، كما يكون مطيعًا له وإن لم يقصد أن يطيعه، بموافقته لإرادته، وإجابته إلى ما دعاه إليه، فهو يعمل عملًا يُعينه عليه الشيطان، وكان الشيطان له وليًا ناصرًا معينًا" (?).

قوله تعالى: {فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا} [النساء: 119]، أي: " فقد هلك هلاكًا بيِّنًا" (?).

قال السمرقندي: " أي: ضل ضلالا مبينا بينا عن الحق" (?).

قال البيضاوي: " إذا ضيع رأس ماله وبدل مكانه من الجنة بمكان من النار" (?).

الفوائد:

1 - إن الشيطان ليس له من الإضلال إلا التزيين والوسوسة، إذ لو كانت الضلالة إلى إبليس لأضل جميع الخلق.

2 - ومن مكايد الشيطان تسويف التوبة وتأخيرها، يؤخذ من قوله: {وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ}.

3 - حرمة الوشم والوسم والخصاء إلا ما أذن فيه الشارع.

القرآن

طور بواسطة نورين ميديا © 2015