ما يعبد المشركون من دون الله تعالى إلا أوثانًا لا تنفع ولا تضر، وما يعبدون إلا شيطانًا متمردًا على الله، بلغ في الفساد والإفساد حدّاً كبيرًا.

سبب نزول الآيتين: [117، و 118]:

قال الحسن: "لم يكن حي من أحياء العرب إلا ولهم صنم يعبدونه، يسمونه أنثى بني فلان؛ فأنزل الله -عزّ وجلّ-: {إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا} " (?).

قوله تعالى: {إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا} [النساء: 117]، " أي: ما يدعو هؤلاء المشركون وما يعبدون من دون الله إلا أوثاناً سموها بأسماء الإِناث" (?).

قال مقاتل: " يعنى: أوثانا، يعنى: أمواتا: اللات والعزى، وهي الأوثان لا تحرك ولا تضر ولا تنفع فهي ميتة" (?).

قال ابن قتيبة: " يعني: اللات والعزى ومناة" (?).

قال أبو عبيدة: " إلا الموات، حجرا أو مدرا أو ما أشبه ذلك" (?).

قال التستري: " يعني: أصواتا، وهو الحجارة والحديد" (?).

قال أبي بن كعب: " مع كل صنم جنية" (?). وروي عن الحسن نحو ذلك (?).

وفي قوله تعالى: {إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا} [النساء: 117]، خمسة وجوه:

أحدها: أن الإناث اللات والعزى ومَناة، وهو قول السدي (?)، وابن زيد (?)، وأبي مالك (?).

والثاني: أنها الأوثان، وهذا قول مجاهد (?)، وأبي سلمة بن عبد الرحمن (?)، وعروة بن الزبير (?)، وأبي مالك الغفاري (?)، والسدي (?)، ومقاتل بن حيان (?).

وقد روي عن عروة عن ابيه أنه "كان في مصحف عائشة: «إِن تَدْعُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ إِنَاثاً» " (?).

والثالث: الملائكة، لأنهم كانوا يزعمون أنهم بنات الله، وهذا قول الضحاك (?).

والرابع: الموات الذي لا روح فيه، لأن إناث كل شيء أرذله، وهو قول ابن عباس (?)، والحسن في رواية أخرى (?)، وقتادة (?)، وابي عبيدة (?).

والخامس: معناه: إن أهل الأوثان كانوا يسمون أوثانهم «إناثًا»، فأنزل الله ذلك كذلك وهذا قول الحسن في رواية أبي رجاء (?).

والراجح-والله أعلم- أنه"عنى بذلك: الآلهة التي كان مشركو العرب يعبدونها من دون الله ويسمونها الإناث من الأسماء، كاللات والعُزَّى ونائلة ومناة، وما أشبه ذلك، الأظهر من معاني " الإناث " في كلام العرب، ما عُرِّف بالتأنيث دون غيره. فإذ كان ذلك كذلك، فالواجب توجيه تأويله إلى الأشهر من معانيه" (?).

والقراءة المشهورة: {إِناثاً}، . وقرأ سعد بن أبي وقاص، وعبد الله بن عمر، وأبو مجلز، وأبو المتوكل، وأبو الجوزاء: «إِلا وَثَناً»، بفتح الواو، والثاء من غير ألف. وقرأ ابن عباس، وأبو رزين: «أُنُثاً»، برفع الهمزة والنون من غير ألف. وقرأ أبو العالية، ومعاذ القارئ، وأبو نُهيك: (أناثاً)، برفع الهمزة وبألف بعد الثاء. وقرأ أبو هريرة، والحسن، والجوني: «إِلا أنثى»، على وزن «فعلى». وقرأ أيوب السختياني: «إِلا وُثنا»، برفع الواو والثاء من غير ألف. وقرأ مورّق العجلي: (أُثُناً)، برفع الهمزة والثاء من غير ألف (?).

قال الزجاج: " فمن قال: «أناث»، فهو جمع أنثى وإِناث، ومن قال: «أُنُث»، فهو جمع: إِنَاث، لأن «إِناثاً» على وزن مِثال، وإنَاث وأُنث مِثْل مِثَال ومُثُل. ومن قال: «أُثُنا»، فإِنه جمع وثَن.

والأصل: وُثُن، إِلا أنَّ الواو إِذا انْضَمَّتَ يجوز إِبدالها همزة، كقوله تعالى: {وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ} [المرسلات: 11]، الأصل: وُقِّتَتْ، ومثال وُثُن في الجمع مثل سُقُف.

وجائز - أن يكون: اثْن، مثل: أسد وأسد، وجائز أن يكون: اثُن، أصلها: اثْن، فاتبعت الضمَّةُ الضَمَّة" (?).

قوله تعالى: {وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا} [النساء: 117]، " أي: وما يعبدون إلا شيطاناً متمرداً على الله، بلغ الغاية في العتو والفجور" (?).

قال مقاتل بن حيان: " يعني: إبليس" (?).

قال سفيان: " ليس من صنم إلا فيه شيطان" (?).

قال مقاتل: " يعني: وما يعبدون من دونه إلا {شيطانا}، يعني: إبليس، زين لهم إبليس طاعته في عبادة الأوثان، {مريدا}، يعني: عاتيا" (?).

قال أبو عبية: " أي: متمردا" (?).

قال ابن قتيبة: " أي: ماردا. مثل قدير وقادر والمارد: العاتي" (?).

قال قتادة: " تمرَّد على معاصي الله" (?).

قال الزجاج: " يعني: به إبليس لأنهم إِذا أطاعوه فيما سَوَّلَ لهم فقد عَبدُوه، وَيدعُونَ في معنى يعبدُونَ، لأنهم إِذَا دَعوْا اللَّهَ مخلصين فقد عبدوه، وكذلك قوله: {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} [غافر: 60]، أي: اعبدُونِي، والدليل على ذلك قوله عزَّ وجلَّ: {إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي} [غافر: 60].

ومعنى {مَرِيدًا}، أي: خارج عن الطاعة مُتَمَلِصٌ مِنْهَا، ويُقَال: شجرة مَرْدَاءُ، إِذا تناثر ورقُها، ومن ذلك يسمى من لم تنبت له لحية أمردُ أي أملس موضعِ اللحية، وقد مرَدَ الرجل يمردُ مُروداً إِذا عتا وخرج عن الطاعة" (?).

الفوائد:

1 - ذم الكفار بانهم تركوا عبادة من يحميهم ويكلؤهم إلى من لَا يستطيع حماية نفسه، والدعاء هنا العبادة، والالتجاء لإنقاذه من الهلاك أو المرض أو الكوارث بشكل عام، فهم قد تركوا عبادة القوي القادر القاهر الذي هو فوق كل شيء، إلى عبادة العاجز الذي لَا يستطيع حماية نفسه ورفع الضر عنه!

طور بواسطة نورين ميديا © 2015