قال البغوي: " أي: ذهب عن الطريق وحرم الخير كله" (?).
قال ابن كثير: " أي: فقد سلك غير الطريق الحق، وضل عن الهدى وبعد عن الصواب، وأهلك نفسه وخسرها في الدنيا والآخرة، وفاتته سعادة الدنيا والآخرة" (?).
قال المراغي: أي: "ومن يشرك بالله شيئا فيدعوه معه ويذكر اسمه مع اسمه، أو يدعوه وحده ملاحظا أنه يقر به إليه زلفى- فقد ضل عن القصد، وبعد عن سبيل الرشد ضلالا بعيدا فى سبيل الغواية، لأنه ضلال يفسد العقل، ويكدر صفاء الروح ويجعله يخضع لعبد مثله، ويخضع أمام مخلوق يحاكيه ويكون عبدا للخرافات والأوهام" (?).
قال البيضاوي: " فإن الشرك أعظم أنواع الضلالة وأبعدها عن الصواب والاستقامة، وإنما ذكر في الآية الأولى، {فَقَدِ افْتَرَى} [النساء: 48]، لأنها متصلة بقصة أهل الكتاب، ومنشأ شركهم كان نوع افتراء وهو دعوى التبني على الله سبحانه وتعالى" (?).
قال ابو حيان: " إلا أن آخر ما تقدم: {فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا} [النساء: 48]، وآخر هذه: {فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا} [النساء: 116]، ختمت كل آية بما يناسبها. فتلك كانت في أهل الكتاب، وهم مطلعون من كتبهم على ما لا يشكون في صحته من أمر الرسول صلى الله عليه وسلم، ووجوب اتباع شريعته، ونسخها لجميع الشرائع، ومع ذلك قد أشركوا بالله مع أن عندهم ما يدل على توحيد الله تعالى والإيمان بما نزل، فصار ذلك افتراء واختلاقا مبالغا في العظم والجرأة على الله.
وهذه الآية هي في ناس مشركين ليسوا بأهل كتب ولا علوم، ومع ذلك فقد جاءهم بالهدى من الله، وبان لهم طريق الرشد فأشركوا بالله، فضلوا بذلك ضلالا يستبعد وقوعه، أو يبعد عن الصواب" (?).
الفوائد:
1 - إن الشرك أعظم أنواع الضلالة وأبعدها عن الصواب والاستقامة كما أنه افتراء وإثم عظيم (?).
قال المراغي: " أكد الله لعباده أنه لا يغفر البتة لأحد أشرك به سواه، وأنه قد يغفر لمن يشاء من المذنبين مادون الشرك من الذنوب فلا يعذبهم عليه، ذاك أن الشرك هو منتهى فساد الأرواح وضلال العقول، فكل خير يلابسه لا يقوى على إضعاف مفاسده وآثامه والعروج بها إلى جوار ربها، إذ أنها تكون موزعة بين شركاء يحولون بينها وبين الخلوص إليه عز وجل، والله لا يقبل إلا ما كان خالصا له" (?).
2 - أن الشرك ضلال لكونه يفسد العقل، ويكدر صفاء الروح ويجعله يخضع لعبد مثله، ويخضع أمام مخلوق يحاكيه ويكون عبدا للخرافات والأوهام (?).
3 - في هذه الآية دليل على فساد قول الخوارج حين زعموا أن مرتكب الكبيرة كافر وذلك قوله عز وجل قال: إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ففرق بين الشرك وسائر الذنوب وحتم على نفسه بأن لا يغفر الشرك، لو كان الكبيرة كفرا لكان قوله إن الله لا يغفر أن يشرك به مستوعبا فلما فرق بين الشرك وسائر الذنوب بان فساد قولهم (?).
قال القرطبي: " رد على الخوارج، حيث زعموا أن مرتكب الكبيرة كافر" (?).
قال ابن فورك: "وأجمع أصحابنا على أنه لا تخليد إلا للكافر، وأن الفاسق من أهل القبلة إذا مات غير تائب فإنه إن عذب بالنار فلا محالة أنه يخرج منها بشفاعة الرسول، أو بابتداء رحمة من الله تعالى" (?).
القرآن
{إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا (117)} [النساء: 117]
التفسير: