قال الواحدي: " وهذا القول أولى من قول الكلبي؛ لأنه ذكر بعد هذا حكم صلاة الحضر، فقال: {فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ} " (?).

والثالث: فاذكروا الله باللسان. قاله مقاتل (?).

الرابع: فاذكروا الله على كل أحوالكم، وهذا قول ابن عباس (?)، واختيار الطبري (?).

روي عن ابن عباس قوله: {وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا}، يقول: لا يفرض الله على عباده فريضة إلا جعل لها حدًّا معلومًا، ثم عذر أهلها في حال عذرٍ، غيرَ الذكر، فإن الله لم يجعل له حدًا ينتهي إليه، ولم يعذر أحدًا في تركه إلا مغلوبًا على عقله، فقال: {فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ}، بالليل والنهار، في البر والبحر، وفي السفر والحضر، والغنى والفقر، والسقم والصحة، والسرِّ والعلانية، وعلى كل حالٍ" (?).

والراجح-والله أعلم- هو قزل ابن عباس، أي: " فإذا فرغتم، أيها المؤمنون، من صلاتكم وأنتم مواقفو عدوِّكم التي بيّناها لكم، فاذكروا الله على كل أحوالكم قيامًا وقعودًا ومضطجعين على جنوبكم، بالتعظيم له، والدعاء لأنفسكم بالظفر على عدوكم، لعل الله أن يظفركم وينصركم عليهم. وذلك نظير قوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [سورة الأنفال: 45] " (?).

قوله تعالى: {فَإِذَا اطْمَأْنَنتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ} [النساء: 103]، أي: " فإِذا أمنتم وذهب الخوف فأدُّوا الصلاة كاملة" (?).

قال الزجاج: " أي: إِذا سكنت قلوبكم، فأتموا، لأنهم جُعِلَ لهم في الخوف قصرها، وأمروا في الأمن بإتمامها" (?).

قال ابن قتيبة: " {فإذا اطمأننتم} أي: من السفر والخوف، {فأقيموا الصلاة} أي: أتموها" (?).

قال السمرقندي: " يقول: أمنتم ورجعتم إلى منازلكم، فأتموا الصلاة أربعا" (?).

قال ابن زيد: ": فإذا اطمأننتم فصلُّوا الصلاة، لا تصلِّها راكبًا ولا ماشيًا ولا قاعدًا" (?).

عن مقاتل بن حيان "قوله: {فإذا اطمأننتم}، يقول: إذا استقررتم وآمنتم" (?).

وقال الزمخشري: أي: " حين تضع الحرب أوزارها وأمنتم فأقيموا الصلاة فاقضوا ما صليتم في تلك الأحوال التي هي أحوال القلق والانزعاج، وهذا ظاهر على مذهب الشافعي رحمه الله في إيجابه الصلاة على المحارب في حالة المسايفة والمشي والاضطراب في المعركة إذا حضر وقتها، فإذا اطمأن فعليه القضاء. وأما عند أبى حنيفة رحمه الله فهو معذور في تركها إلى أن يطمئن" (?).

قال أبو هلال: «الطمأنينة»: " بمعنى الأمن؛ قال اللَّه: {فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ}، ويجوز أن يكون هذا أيضا بمعنى السكون، قال بعضهم: معناها هاهنا الإقامة؛ أي: فإذا أقمتم فأقيموا الصلاة؛ أي: أتموها" (?).

قال الواحدي: " عن أبي علي الجرجاني: أن الطمأنينة ضد الضرب في الأرض لا ضد الخوف، وضد الخوف الأمن، وهذا يدل على أن الخوف غير مشروط في جواز القصر، حيث جعل نهاية جوازه الطمأنينة في الأهل" (?).

وفي قوله تعالى: {فَإِذَا اطْمَأْنَنتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ} [النساء: 103]، وجهان:

أحدهما: أن «الطمأنينة» ههنا: الرجوع إلى الوطن في دار الإقامة، والمعنى: فإذا أقمتم بعد السفر فأتموا الصلاة من غير قصر، وهذا قول الحسن (?)، وقتادة (?)، ومجاهد (?).

والثاني: معناه: فإذا أمِنْتم بعد خوفكم فأتموا الركوع والسجود من غير إيماء ولا مشي، وهذا قول السدي (?)، وابن زيد (?).

قال الجصاص: " من تأول القصر المذكور في قوله تعالى: {وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة} على أعداد الركعات, جعل قوله: {فإذا اطمأننتم فأقيموا الصلاة} على إتمام الركعات عند زوال الخوف والسفر. ومن تأوله على صفة الصلاة من فعلها بالإيماء أو على إباحة المشي فيها, جعل قوله تعالى: {فأقيموا الصلاة} أمرا بفعل الصلاة المعهودة على الهيئة المفعولة قبل الخوف" (?).

والراجح-والله أعلم- ام المعنى: ": فإذا زال خوفكم من عدوكم وأمنتم، أيها المؤمنون، واطمأنت أنفسكم بالأمن، {فأقيموا الصلاة}، فأتموا حدودَها المفروضة عليكم، غير قاصريها عن شيء من حدودها، لأن الله تعالى ذكره عرَّف عباده المؤمنين الواجبَ عليهم من فرض صَلاتهم بهاتين الآيتين في حالين:

إحداهما: حالُ شدة خوف، أذن لهم فيها بقصر الصلاة، على ما بيَّنت من قصر حدودها عن التمام.

والأخرى: حالُ غير شدة الخوف، أمرهم فيها بإقامة حدودها وإتمامها، على ما وصفه لهم جل ثناؤه، من معاقبة بعضهم بعضًا في الصلاة خلف أئمتهم، وحراسة بعضهم بعضًا من عدوهم. وهي حالة لا قصر فيها" (?).

قوله تعالى: {إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا} [النساء: 103]، أي: " إن الصلاة كانت واجبة في أوقات معلومة في الشرع" (?).

قال الزجاج: " أي مفروضاً مؤَقتاً فرضه" (?).

قال ابن قتيبة: " أي موقتا. يقال: وقته الله عليهم ووقته أي جعله لأوقات، ومنه: {وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ} (?)، و «وقتت» أيضا مخففة" (?).

قال السمرقندي: " يعني: فرضا مفروضا معلوما، للمسافر ركعتان، وللمقيم أربع" (?).

قال الزمخشري: أي: " محدودا بأوقات لا يجوز إخراجها عن أوقاتها على أى حال كنتم، خوف أو أمن" (?).

قال الواحدي: " والمراد بالكتاب ههنا: المكتوب، كأنه قيل: مكتوبة موقوتة، ثم حذفت الهاء من الموقوتة، لما جعل المصدر موضع المفعول، والمصدر مذكر، ومعنى الموقوت أنها كتبت عليهم في أوقات مؤقتة" (?).

وفي قوله تعالى: {إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا} [النساء: 103]، وجهان:

أحدهما: أي فرضاً واجباً، وهو قول ابن عباس (?)، والحسن (?)، ومجاهد (?)، وعطية العوفي (?)، والسدي (?)، وابن زيد (?)، وعلي بن الحسين (?)، ومحمد بن علي (?)، وسالم بن عبد الله (?)، ومقاتل بن

طور بواسطة نورين ميديا © 2015