على من نراه، ولا ندفعها إلى من صلاته، أي: دعاؤه، سكن لنا، ومع هذا ردَّ عليهم الصحابة وأبَوْا عليهم هذا الاستدلال، وأجبروهم على أداء الزكاة، وقاتلوا من منعها منهم" (?).
الفوائد:
1 - من الفوائد أن فعل السبب لا يمنع في التوكل وأنه لا يرد ما قدر الله، مع أن فعل الأسباب مأمور به وتركها إلقاء باليد إلى التهلكة، وأن التعرض أو فعل الأسباب التي يحصل بها الموت عمداً يصير ذنباً كبيراً.
لهذا أمر الله تعالى بأخذ الحذر في حالة صلاة الخوف، فلما أمر بصلاة الخوف أمر بأخذ الحذر، معلوم أن المسلمين قد يقول قائلهم: سوف نصلي جماعة والله تعالى يحرسنا ويحفظنا، ولكن الله تعالى أخبر بأن المشركين يتحينون الفرص ويحتالون في أن يجدوا غفلة من المؤمنين فيقتلونهم، فقال تعالى: {وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً} [النساء: 102]، هكذا أخبر عنهم ثم أمرهم بأن يأخذوا الحذر في قوله تعالى: {وَخُذُوا حِذْرَكُمْ} [النساء: 102]، {وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ} [النساء: 102] يعني في حالة صلاتهم للخوف، {وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ} [النساء: 102] أي: ليكونوا حذرين (?).
2 - ومنها: ان الله تعالى رخص للمؤمنين بقصر الصلاة في السفر خوف الفتنة بادئ الأمر، ثم شرع لهم صلاة الخوف حالة الحرب على عدة صفات تناسب حال المحارب، لعظم شأن الصلاة، وأمرهم فيها أن يحملوا السلاح ويكروا ويفروا إذا اقتضت المصلحة في أثنائها، وهي صحيحة لا تتأثر في ذلك، فأي دين يأمر بالقوة ويجمع بين الحرب والعبادة في آن واحد غير دين المسلمين، حتى قال لهم الله محذراً {وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً} إلى أن قال {وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً مُهِيناً} (?).
القرآن
{فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا (103)} [النساء: 103]
التفسير:
فإذا أدَّيتم الصلاة، فأديموا ذكر الله في جميع أحوالكم، فإذا زال الخوف فأدُّوا الصلاة كاملة، ولا تفرِّطوا فيها فإنها واجبة في أوقات معلومة في الشرع.
قوله تعالى: {فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ} [النساء: 103]، أي: " فإذا أدَّيتم الصلاة" (?).
قال الزمخشري: أي: " فإذا صليتم في حال الخوف والقتال" (?).
قال الزجاج: " يعني: به صلاة الخوف هذه" (?).
قوله تعالى: {فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ} [النساء: 103]، أي: " فأكثروا من ذكر الله في جميع أحوالكم: في حال قيامكم وقعودكم واضطجاعكم" (?).
قال الزمخشري: اي: " فصلوها قياما مسايفين ومقارعين وقعودا جاثين على الركب مرامين وعلى جنوبكم مثخنين بالجراح، وقيل: معناه فإذا قضيتم صلاة الخوف فأديموا ذكر الله مهللين مكبرين مسبحين داعين بالنصرة والتأييد في كافة أحوالكم من قيام وقعود واضطجاع، فإن ما أنتم فيه من خوف وحرب جدير بذكر الله ودعائه واللجأ إليه" (?).
وفي قوله تعالى: {فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ} [النساء: 103]، وجوه من التفسير:
أحدها: معناه: فصلوا لله {قيامًا}: للصحيح، {وقعودًا}: للمريض الذي لا يستطيع القيام، روعلى جنوبكم}: للمرضى الذين لا يستطيعون الجلوس. قاله الكلبي (?).
والثاني: معناه: " أذكروه بتوحيده وشكره وتسبيحه، وكل ما يمكن أن يتقرب به منه". وهذا قول الزجاج (?).