والقول الثاني: أن ذلك عام للنبي -صلى الله عليه وسلم- ولغيره من أمته إذا كان على مثل حاله في خوفه، لأن ذكر السبب الذي هو الخوف يوجب حمله عليه متى وجد كما فعل الصحابة بعده حين خافوا. وهو قول الجمهور (?).
قال السمعاني: " بيّن في هذه الآية كيفية صلاة الخوف، وأعلم أن صلاة الخوف جائزة بعد رسول الله على قول أكثر العلماء، وقال بعضهم: صلاة الخوف لا تجوز لأحد بعده، وهو قول أبى يوسف؛ تمسكا بظاهر الآية، قوله: {وإذا كنت فيهم} فشرط كونه فيهم، والأصح هو الأول، وهو الاصح، وقوله: {وإذا كنتم فيهم} ليس على سبيل الشرط، وإنما خرج الكلام على وفق الحال، وقد ورد أن أصحاب رسول الله صلوا بعده صلاة الخوف" (?).
قال البيضاوي: " تعلق بمفهومه من خص صلاة الخوف بحضرة الرسول صلى الله عليه وسلم لفضل الجماعة، وعامة الفقهاء على أنه تعالى علم الرسول صلى الله عليه وسلم كيفيتها ليأتم به الأئمة بعده فإنهم نواب عنه فيكون حضورهم كحضوره" (?).
قوله تعالى: {فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ} [النساء: 102]، أي: " فلتقم جماعة منهم معك للصلاة، وليأخذوا سلاحهم" (?).
قال البغوي: " أي: فلتقف، كقوله تعالى: {وإذا أظلم عليهم قاموا} [البقرة: 20]، أي: وقفوا" (?).
قال البيضاوي: أي: " فاجعلهم طائفتين فلتقم إحداهما معك يصلون" (?).
قال الزجاج: " وأمَّا «أَسلحة»، فجمع سلاح، مثل حمار وأحمرة. وسلاح اسم لجملة ما
يدفع الناس به عن أنفسهم في الحروب مما يقاتل به خاصَّة، لا يقال للدواب وما أشبهها سلاح" (?).
واختلفوا في الذين يأخذون اسلحتهم على قولين:
أحدهما: أن المأمورين بأخذ السلاح هم الذين مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يصلّون، لأن من في الصلاة غير مقاتل, وأما السلاح الذي أمروا بأخذه عندهم في صلاتهم، كالسيف يتقلَّده أحدهم، والسكين، والخنجر يشدُّه إلى درعه وثيابه التي هي عليه، ونحو ذلك من سلاحه. وهذا قول الشافعي (?).
قال البغوي: " فعلى هذا إنما يأخذه إذا كان لا يشغله عن الصلاة، ولا يؤذي من بجنبه فإذا شغلته حركته وثقلته عن الصلاة كالجعبة والترس الكبير أو كان يؤذي من جنبه كالرمح فلا يأخذه" (?).
والثاني: هم الذين بإزاء العدو يحرسون، وهذا قول ابن عباس (?).
قوله تعالى: {فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ} [النساء: 102]، أي: " فإذا سجد هؤلاء فلتكن الجماعة الأخرى من خلفكم في مواجهة عدوكم، وتتم الجماعة الأولى ركعتهم الثانية ويُسلِّمون" (?).
قال البغوي: " أي: صلوا، {فليكونوا من ورائكم} يريد مكان الذين هم وجاه العدو" (?).
قال ابن عطية: " الضمير في سجدوا للطائفة المصلية والمعنى: فإذا سجدوا معك الركعة الأولى فلينصرفوا " (?).
وفي المشار إليهم في قوله تعالى: {فَلْيَكُونُوا} [النساء: 102]، قولان:
أحدهما: أنهم الطائفة التي لم تصل، أمرت أن تحرس الطائفة المصلية، وهذا معنى قول ابن عباس (?).
والثاني: أنهم المصلون معه، أمروا إذا سجدوا أن ينصرفوا إلى الحرس (?).