روى مجاهد عن ابن عباس قال: " فرض الله الصلاة على لسان نبيكم عليه السلام في الحضر أربعًا، وفي السفر ركعتين، وفي الخوف ركعةً" (?).
والثالث: أنه يقصر في سفر خائفاً وآمناً من أربع إلى ركعتين لا غير.
قال السمعاني: " قال جمهور العلماء -وهو قول أكثر الأمة -: إنه يجوز القصر في حال الأمن، ولم ينقل [عن النبي-صلى الله عليه وسلم-] أنه أتم في سفر ما" (?).
قال ابن الجوزي: " وظاهر الآية يدل على أن القصر لا يجوز إلا عند الخوف، وليس الأمر كذلك، وإنما نزلت الآية على غالب أسفار رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأكثرها لم يخل عن خوف العدو" (?).
قال الإمام الموفق رحمه الله: "وأجمع أهل العلم على أن من سافر سفرا تقصر في مثله الصلاة في حج، أو عمرة، أو جهاد، أن له أن يقصر الرباعية فيصليها ركعتين" (?).
قال الزمخشري: " «القصر»، ثابت بنص الكتاب في حال الخوف خاصة، وهو قوله {إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا}، وأما في حال الأمن فبالسنة" (?).
عن عائشة رضي الله عنها , أن النبي صلى الله عليه وسلم «كان يقصر في السفر ويتم , ويفطر ويصوم» (?).
وقد روي عن يعلى بن منية قال: "قلت لعمر بن الخطاب رضي الله عنه: {فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم}، وقد أمن الناس! فقال: عجبتُ مما عجبتَ منه، حتى سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال: صدقة تصدَّق الله بها عليكم، فاقبلوا صدَقته" (?).
وعن قتادة، عن أبي العالية، قال: "سافرت إلى مكة، فكنت أصلّي ركعتين، فلقيني قُرَّاء من أهل هذه الناحية، فقالوا: كيف تصلي؟ قلت ركعتين. قالوا: أسنة أو قرآن؟ قلت: كلٌّ، سنة وقرآن، فقدصلَّى رسول الله صلى الله عليه وسلم ركعتين. قالوا: إنه كان في حرب! قلت: قال الله: {لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لا تَخَافُونَ} [سورة الفتح: 27]، وقال: {وإذا ضربتم في الأرض فليس عيكم جناح أن تقصروا من الصلاة}، فقرأ حتى بلغ: {فإذا اطمأننتم} " (?).
واختلفوا في القصر على قولين:
أحدها: أنه إباحة. وهو قول الشافعي (?).
قال الشافعي: " والقصر في السفر بلا خوف سنة، والكتاب يدل على أن القصر في السفر بلا خوف رخصة من اللَّه - عز وجل - لا أنَّ حتماً عليهم أن يقصروا كما كان ذلك في الخوف والسفر" (?).
والثاني: أنه واجب.
قال السمعاني: "والخلاف بين السلف مشهور فيه، والقول الأول هو أصح؛ لقوله عز ذكره: {فليس عليكم جناح}، وهو مثل قوله: {جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا} [البقرة: 230] " (?).
قال الزمخشري: " قوله: {فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة}، ظاهره التخيير بين القصر والإتمام، وأن الإتمام أفضل" (?).