قوله تعالى: {فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} [النساء: 97]، أي: " فأولئك مثواهم النار، وقبح هذا المرجع والمآب" (?).
قال مقاتل: " يعني وبئس المصير صاروا" (?).
قال الثعلبي: " فأكذبهم الله عز وجل وإنما أنهم كانوا مستطيعين الهجرة" (?).
قال البغوي: " فأكذبهم الله تعالى وأعلمنا بكذبهم، وقال: {فأولئك مأواهم} منزلهم {جهنم وساءت مصيرا} أي: بئس المصير إلى جهنم" (?).
قال السدي: " فيوم نزلت هذه الآية، كان كل من أسلم ولم يهاجر فهو كافر حتى يهاجر" (?).
قال ابن عطية: " وفي هذا الذي قاله السدي نظر، والذي يجري مع الأصول أن من مات من أولئك بعد أن قبل الفتنة وارتد فهو كافر ومأواه جهنم على جهة الخلود، وهذا هو ظاهر أمر تلك الجماعة وإن فرضنا فيهم من مات مؤمنا وأكره على الخروج، أو مات بمكة فإنما هو عاص في ترك الهجرة، مأواه جهنم على جهة العصيان دون خلود، لكن لما لم يتعين أحد أنه مات على الإيمان لم يسغ ذكرهم في الصحابة، ولم يعتد بما كان عرف منهم قبل، ولا حجة للمعتزلة في شيء من أمر هؤلاء على تكفيرهم بالمعاصي" (?).
الفوائد:
1 - من فوائد الآية الكريمة: أن الهجرة" فريضة على هذه الأمة من بلد الشرك إلى بلد الإسلام ومن بلد البدعة التي يدعوا أهلها إليها إلى بلد السنة وأنها باقية إلى أن تطلع الشمس من مغربها" (?). ومن ذلك قوله تعالى: {يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ} [العنكبوت: 56].
وقال الرسول-صلى الله عليه وسلم-: "لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة، ولا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها" (?).
2 - ومن الفوائد: النهي عن المقام بين أظهر المشركين، لقوله تعالى: {ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها}، قال الجصاص: " وهذا يدل على الخروج من أرض الشرك إلى أي أرض كانت من أرض الإسلام" (?).
3 - ومنها: أن من أقام في دار الجهالة ذليلاً مستضعفًا وهو يقدر على الانتقال إلى حيث يخالفها فقد ترك -وفي قول كثير من العلماء- فرضًا واجبًا، لأن الله تعالى قال: {إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم ... } الآية، فيوعد تارك الهجرة من البلد الذي يكون مستضعفًا فيه، إذا كان قادرًا عليها مثل هذا الوعيد، فثبت أنها فريضة لازمة أيضًا. فإن الهجرة من مكة كانت واجبة قبل الفتح لما كان المسلم يخشاه بها من الفتنة على الفتنة، وأنه كان يعجز من إظهار دينه ولا يتمكن كما ينبغي من عبادة ربه، فأي مسلم حرص له أو مثله في بلد فهو في معنى المسلمين كانوا يومئذ (?).
أن لهجرة من واجبات الدين، ومن أفضل الأعمال الصالحة، وهي سبب لسلامة دين العبد وحفظ لإيمانه، وهي أقسام:
القسم الأول: هجر المحرمات التي حرمها الله في كتابه وحرمها رسوله -صلى الله عليه وسلم- على جميع المكلفين وأخبر أن من هجرها فقد هجر ما حرمه الله عليه، وقد أخبر -صلى الله عليه وسلم- فيما صح عنه: "المهاجر من هجر ما نهى الله عنه" (?)، وهذا أمر مجمل شامل لجميع المحرمات القولية والفعلية.
القسم الثاني: الهجرة من كل بلد تظهر فيها شعائر الشرك وأعلام الكفر، ويعلن فيها بالمحرمات. والمقيم فيها لا يقدر على إظهار دينه والتصريح بالبراءة من المشركين وعداوتهم، ومع هذا يعتقد كفرهم