قال ابن عطية: " ثم أكد تبارك وتعالى الوصية بالتبين" (?).

قال القرطبي: " معنى قوله: {فتبينوا} أي الأمر المشكل، أو تثبتوا ولا تعجلوا، المعنيان سواء، فإن قتله أحد فقد أتى منهياً عنه " (?).

وقد حذّر الرسول -صلى الله عليه وسلم - من التكفير أشد التحذير فقال: "إذا قال الرجل لأخيه: يا كافر، فقد باء بها أحدهما" (?).

ويروي أبو ذر رضي الله عنه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "لا يرمي رجل رجلاً بالفسوق، ولا يرميه بالكفر، إلا ارتدت عليه، إن لم يكن صاحبه كذلك" (?).

قال ابن عبد البر: " فقد باء القائل بذنب كبير وإثم عظيم، واحتمله بقوله ذلك، وهذا غاية في التحذير من هذا القول والنهي عن أن يقال لأحد من أهل القبلة: يا كافر" (?).

ويقول ابن دقيق العيد: "وهذا وعيد عظيم لمن أكفر أحداً من المسلمين وليس كذلك، وهي ورطة عظيمة وقع فيها خلق كثير من المتكلمين، ومن المنسوبين إلى السنة وأهل الحديث لما اختلفوا في العقائد، فغلظوا على مخالفيهم، وحكموا بكفرهم " (?).

وفي بيان معنى الحديث قال الحافظ ابن حجر: " والتحقيق أن الحديث سيق لزجر المسلم من أن يقول ذلك لأخيه المسلم ... وقيل: معناه رجعت عليه نقيصته لأخيه ومعصية تكفيره ... فمعنى الحديث: فقد رجع عليه تكفيره، فالراجع التكفير لا الكفر، فكأنه كفَّر نفسه لكونه كفَّر من هو مثله ... وقال القرطبي: .. والحاصل أن المقول له إن كان كافراً كفراً شرعياً، فقد صدق القائل، وذهب بها المقول له، وإن لم يكن رجعت للقائل معرَّة ذلك القول وإثمه" (?).

وفي حديث آخر يشبه النبي - صلى الله عليه وسلم - تكفير المسلم بأعظم ذنب بعد الشرك بالله، وهو تعمد قتل المؤمن، فيقول: "ومن قذف مؤمناً بكفر فهو كقتله" (?).

ورمي المسلمين بالكفر باب لشرور عظيمة، لعل أهونها أنه من التنابز بالألقاب الذي نهى الله عنه، قال تعالى: {ولا تنابزوا بالألقاب بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان} [الحجرات: 11].

قال ابن عبد البر: "هو قول الرجل لأخيه: يا كافر يا فاسق، وهذا موافق لهذا الحديث [الحديث السابق]، فالقرآن والسنة ينهيان عن تفسيق المسلم وتكفيره إلا ببيان لا إشكال فيه" (?).

قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا} [النساء: 94]، أي: " إن الله تعالى عليم بكل أعمالكم، مطَّلع على دقائق أموركم، وسيجازيكم عليها" (?).

قال البيضاوي: أي: " عالما به وبالغرض منه فلا تتهافتوا في القتل واحتاطوا فيه" (?).

قال الطبري: " يقول: إن الله كان بقتلكم من تقتلون، وكَفِّكم عمن تكفُّون عن قتله من أعداء الله وأعدائكم، وغير ذلك من أموركم وأمور غيركم ذا خبرة وعلم به، يحفظه عليكم وعليهم، حتى يجازى جميعكم به يوم القيامة جزاءه، المحسن بإحسانه، والمسيءَ بإساءته" (?).

قال الزمخشري: " فلا تتهافتوا في القتل وكونوا محترزين محتاطين في ذلك" (?).

قال ابن عطية: " أعلم أنه خبير بما يعمله العباد، وذلك منه خبر يتضمن تحذيرا منه تعالى، لأن المعنى إن الله كان بما تعملون خبيرا، فاحفظوا نفوسكم، وجنبوا الزلل الموبق بكم" (?).

طور بواسطة نورين ميديا © 2015