قلت: على القاتل إلا أن الرقبة في ماله، والدية تتحملها عنه العاقلة، فإن لم تكن له عاقلة فهي في بيت المال، فإن لم يكن ففي ماله" (?).
وذكر الماوردي في «الدية»، وجهين (?):
أحدهما: أنها مجملة أخذ بيانها من رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.
والثاني: أنها معهودة تقدم العمل بها ثم توجه الخطاب إليها فجعل الله الرقبة تكفيراً للقاتل في ماله والدية بدلاً من نفس المقتول على عاقلته.
قوله تعالى: {إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا} [النساء: 92]، أي: " إِلا إذا عفا الورثة عن القاتل فأسقطوا الدية" (?).
قال ابن عباس: " إلا أن يتصدق بها عليه" (?).
قال السدي: " فيتركوا الدية" (?). وروي عن إبراهيم النخعي نحو ذلك (?).
قال سعيد بن جبير: " يعني: إلا أن يصدق أولياء المقتول بالدية على القاتل فهو خير لهم، فأما عتق رقبة فإنه واجب على القاتل من ماله" (?).
قال الزمخشري: أي: " إلا أن يتصدقوا عليه بالدية ومعناه العفو، كقوله: {إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ} [البقرة: 237]، ونحوه: {وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ} [البقرة: 280]، وعن النبي صلى الله عليه وسلم «كل معروف صدقة» (?) " (?).
قوله تعالى: {فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ} [النساء: 92]، "أي: فإِن كان المقتول خطأً مؤمناً وقومه كفاراً أعداء -وهم المحاربون- فإِنما على قاتله الكفارة فقط دون الدية" (?).
قال ابن زيد: " القتيل مسلم وقومه كفّار، فتحرير رقبه مؤمنة، ولا يؤدِّي إليهم الدية فيتقوّون بها عليكم" (?).
قال ابن عباس: " كان الرجل يأتي النبي صلى الله عليه وسلم، ثم يرجع إلى قومه فيكون معهم وهم مشركون فيصيبه المسلمون خطا في سرية أو غارة فيعتق الذي يصيبه رقبة" (?).
قال الزجاج: " ولا مال للكفار الذين هم حرب، لأن الدية في الخطأ إنما جعلت - والله أعلم - ليحذر الناس حذرا شديدا من أن يخطئوا خطأ يؤدي إلى القتل، لتذهب الضغائن بينهم" (?).
وفي قوله تعالى: {فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ} [النساء: 92]، وجهان:
أحدهما: ان المعنى: فإن كان المقتول من قوم عدو لكم. وهذا قول ابن عباس (?)، وإبراهيم (?)، وعكرمة (?)، والشعبي (?)، وقتادة (?)، والسدي (?)، سعيد بن جبير (?).
والثاني: أن المعنى: إن كان المؤمن الذي قتل ليس له ورثة بين ظهراني المسلمين ووراثة المشركون من أهل الحرب للمسلمين، {فتحرير رقبة}، فلم يجعل له ذرية. وهذا قول مقاتل بن حيان (?).