والثالث: أخرج أبو داود عن داود بن الحصين، قال: "كنت أقرأ على أم سعد (?) بنت الربيع - وكانت يتيمة في حجر أبي بكر - فقرأت: {والذين عقدت أيمانكم} [النساء: 33]، فقالت: لا تقرأ: {والذين عقدت أيمانكم} [النساء: 33]، إنما نزلت في أبي بكر وابنه عبد الرحمن، حين أبى الإسلام، فحلف أبو بكر ألا يورثه، فلما أسلم أمر الله تعالى نبيه عليه السلام أن يؤتيه نصيبه" (?).
ونقل الثعلبي عن أبي روق: " نزل قوله: {ولكل جعلنا موالي}، الآية، في أبي بكر الصديق، وابنه عبد الرحمن، وكان كافرا، أن لا ينفعه ولا يورثه شيئا من ماله، فلما أسلم عبد الرحمن أمر أن يؤتى نصيبه من المال" (?).
والراجح-والله أعلم- انها نزلت " في أهل العقد بالحلف، إذ أمروا أن يؤتي بعضهم بعضًا أنصباءهم من النصرة والنصيحة وما أشبه ذلك، دون الميراث" (?).
قال ابن كثير: "والصحيح أن هذا كان في ابتداء الإسلام يتوارثون بالحلف، ثم نسخ وبقي تأثير الحلف بعد ذلك، وإن كانوا قد أمرُوا أن يوفوا بالعقود والعهود، والحلف الذي كانوا قد تعاقدوا قبل ذلك تقدم في حديث جبير بن مطعم وغيره من الصحابة: «لا حلف في الإسلام، وأيما حلف كان في الجاهلية لم يزده الإسلام إلا شدة» (?)، وهذا نص في الرد على ما ذهب إلى التوارث بالحلف اليوم كما هو مذهب أبي حنيفة وأصحابه، ورواية عن أحمد بن حنبل (?)، رحمه الله.
والصحيحُ قول الجمهور ومالك والشافعي وأحمد -في المشهور عنه-" (?).
قوله تعالى: {وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ} [النساء: 33]، أي: " ولكل إِنسانٍ جعلنا عصبةً يرثون ماله ممّا تركه الوالدان والأقارب من الميراث" (?).
قال الطبري: أي: " ولكلكم، أيها الناس، جعلنا عَصبة يرثون به مما ترك والده وأقرباؤه من ميراثهم" (?).
قال السمعاني: أي: " ولكل من الرجال والنساء جعلنا ورثة" (?).
قال ابن كثير: " أي: ورثه من أقربائه من أبويه وأقربيه، وهم يرثونه دون سائر الناس، كما ثبت في الصحيحين، عن ابن عباس؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ألْحِقُوا الفرائِضَ بأهلها، فما بَقِيَ فهو لأوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ» (?)، أي: اقسموا الميراث على أصحاب الفروض الذين ذكرهم الله في آيتي الفرائض، فما بقي بعد ذلك فأعطوه العَصَبة" (?).
وفي الموالي ثلاثة اقوال:
أحدهما: أنهم العصبة، وهو قول قتادة (?)، ومجاهد (?)، وابن زيد (?).
والثاني: هم الورثة، وهو قول السدي (?)، وابن عباس في رواية سعيد بن جبير (?).
والثالث: ويجوز أن يكون المولى هاهنا بمعنى الأولى بالشيء، والمعنى: أن لكل شيء مما ترك الوالدان والأقربون وارثا هو أولى به. من غيره، ومنه قيل لمالك: العبد مولاه؛ لأنه أولى به. قاله أبو هلال العسكري (?).
قال أبي عبيدة: " {ولكل جعلنا موالي} قال: أولياء ورثة، المولى ابن العم، والمولى: الحليف وهو العقيد والمولى: المنعم عليه، والمولى: الأسفل، والمولى: الولي: اللهم من كنت مولاه، والمولى: المنعم على المعتق "، وقال الشاعر (?):
ومولى كداء البطن لو كان قادرا ... على الموت أفنى الموت أهلي وماليا
يعني: ابن العم" (?).
قال الماوردي: " وهو أشبه بقوله تعالى: {فَهَبْ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا يَرِثُنِي} (?).
قال الطبري: " والعرب تسمي ابن العم المولى، ومنه قول الشاعر (?):
وَمَوْلًى رَمَيْنَا حَوْلَهُ وَهُوَ مُدْغِلٌ ... بِأَعْرَاضِنَا وَالْمُنْدِيَاتِ سَرُوعُ
يعني بذلك: وابن عم رمينا حوله، ومنه قول الفضل بن العباس (?):
مهلاً بني عمنا مهلاً موالينا ... لا تنشبوا بيننا ما كان مَدْفوناً" (?)
قال الراغب: " المولى من الولاء، وهو تتابع الشيء من غير حائل، وجعل المولى لمن تولى حفظ الشيء، وتعورف في المعتق، والمعتق، وابن العم، والحليف، وولي الأمر، والعصبة" (?).
قوله تعالى: {وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ} [النساء: 33]، "أي: والذين حالفتموهم في الجاهلية على النصرة والإِرث فأعطوهم حظهم من الميراث" (?).
قال الماوردي: أي: " والذين عاقدت أيمانكم وأيمانهم بالحلف بينكم وبينهم، فآتوهم نصيبهم" (?).
قال ابن كثير: " أي: قبل نزول هذه الآية {فآتوهم نصيبهم}، أي: من الميراث، فأيما حلف عُقد بعد ذلك فلا تأثير له، وقد قيل: إن هذه الآية نسخت الحلف في المستقبل، وحكم الماضي أيضا، فلا توارث به" (?).
وفي المراد بهذه المعاقدة وبالنصيب المستحق خمسة أقاويل:
أحدها: أن حلفهم في الجاهلية كانوا يتوارثون به في الإسلام ثم نسخ ذلك بقوله تعالى في الأنفال: {وَأُولُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ} [الأنفال: 75] وهذا قول ابن عباس (?)، وعكرمة (?)، والحسن البصري (?)، وقتادة (?)، والضحاك (?).
والثاني: أنها نزلت في الذين آخى بينهم النبي-صلى الله عليه وسلم -، من المهاجرين والأنصار، فكان بعضهم يرث بعضاً بتلك المؤاخاة بهذه الآية، ثم نسخها ما تقدم من قوله تعالى: {وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ