وقال (?):
[ألا يا ليتني والمرء ميت] ... وما يغني عن الحدثان ليت
وهو مع ذلك ذريعة إلى التحاسد والبخل والظلم" (?).
قال الشوكاني: " التمني: نوع من الإرادة يتعلق بالمستقبل، كالتلهف: نوع منها يتعلق بالماضي، وفيه النهي عن أن يتمنى الإنسان ما فضل الله به غيره من الناس عليه، فإن ذلك نوع من عدم الرضا بالقسمة التي قسمها الله بين عباده على مقتضى إرادته وحكمته البالغة، وفيه أيضا نوع من الحسد المنهي عنه إذا صحبه إرادة زوال تلك النعمة عن الغير.
وقد اختلف العلماء في الغبطة هل تجوز أم لا؟ وهي: أن يتمنى أن يكون به حال مثل حال صاحبه، من دون أن يتمنى زوال ذلك الحال عن صاحبه. فذهب الجمهور: إلى جواز ذلك، واستدلوا بالحديث الصحيح: «لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله القرآن فهو يقوم به آناء الليل وآناء النهار، ورجل آتاه الله مالا فهو ينفقه آناء الليل وآناء النهار» (?)، وقد بوب عليه البخاري: «باب الاغتباط في العلم والحكم».
وعموم لفظ الآية يقتضي: تحريم تمني ما وقع به التفضيل سواء كان مصحوبا بما يصير به من جنس الحسد أم لا، وما ورد في السنة من جواز ذلك في أمور معينة يكون مخصصا لهذا العموم، ولكن الاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب" (?).
قال السمعاني: "وفي هذا دليل على أن الحسد حرام؛ والحسد: هو أن يتمنى زوال النعمة عن صاحبه، ويتمناها لنفسه، والغبطة: هو أن يتمنى لنفسه مثل ما لصاحبه، فالحسد حرام، والغبطة لا بأس بها" (?).
قوله تعالى: {لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ} [النساء: 32]، أي: " جعل الله للرجال نصيبًا مقدَّرًا من الجزاء بحسب عملهم، وجعل للنساء نصيبًا مما عملن" (?).
قال الزمخشري: أي: " جعل ما قسم لكل من الرجال والنساء على حسب ما عرف الله من حاله الموجبة للبسط أو القبض كسبا له " (?).
وفي تفسير قوله تعالى: {لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ} [النساء: 32]، وجهان:
أحدهما: أن المراد: من الثواب على طاعة الله والعقاب على معصيته، وللنساء نصيب مثل ذلك، ليعني أن للمرأة بالحسنة عشر أمثالها كالرجل، وهو قول قتادة (?)، وأبي حريز (?)، ومقاتل بن حيان (?).
والثاني: أن معناه: للرجال نصيب مما اكتسبوا من ميراث موتاهم، وللنساء نصيب منه، لأن أهل الجاهلية لم يكونوا يورثون النساء، وهذا قول ابن عباس (?)، وعكرمة (?).
والراجح-والله أعلم-، أن معناه" للرجال نصيب من ثواب الله وعقابه مما اكتسبوا فعملوه من خير أو شر، وللنساء نصيب مما اكتسبن من ذلك كما للرجال، لأن الله جل ثناؤه أخبر أن لكل فريق من الرجال والنساء نصيبًا مما اكتسب. وليس الميراث مما اكتسبه الوارث، وإنما هو مال أورثه الله عن ميّته بغير اكتساب، وإنما الكسب العمل، والمكتسب: المحترف" (?).