ثم اختلف الأئمة في عدد الرضعات المحرمة، فذهب ذاهبون إلى أنه يحرم مجرد الرضاع لعموم هذه الآية. وهذا قول مالك، ويحكى عن ابن عمر، وإليه ذهب سعيد بن المُسَيَّب، وعُرْوَة بن الزبير، والزُّهْرِي (?).
وقال آخرون: لا يحرم أقل من ثلاث رضعات لما ثبت في صحيح مسلم، من طريق هشام بن عروة عن أبيه، عن عائشة؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا تُحرِّم المصةُ والمصتان" (?).
وقال قتادة، عن أبي الخليل، عن عبد الله بن الحارث، عن أم الفضل قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تُحرم الرَّضْعَة ولا الرضعتان، والمصَّة ولا المصتان"، وفي لفظ آخر: "لا تحرم الإمْلاجَة ولا الإملاجتان" رواه مسلم (?).
وممن ذهب إلى هذا القول الإمام أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وأبو عبيد، وأبو ثور. ويحكى عن علي، وعائشة، وأم الفضل، وابن الزبير، وسليمان بن يسار، وسعيد بن جبير، رحمهم الله (?).
وقال آخرون: لا يحرم أقل من خمس رضعات، لما ثبت في صحيح مسلم من طريق مالك، عن عبد الله بن أبي بكر، عن عَمْرة عن عائشة، رضي الله عنها، قالت: «كان فيما أنزل [الله] من القرآن: عشر رضعات معلومات يحرمن. ثم نسخن بخمس معلومات، فتوفي رسول الله صلى لله عليه وسلم وهن فيما يقرأ من القرآن» (?). وروى عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة نحو ذلك (?).
وفي حديث سَهْلة بنت سهيل: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرها أن تُرضِع مولى أبي حذيفة خمس رضعات، وكانت عائشة تأمر من يريد أن يدخل عليها أن يُرْضع خمس رضعات» (?).
وبهذا قال الشافعي، رحمه الله تعالى وأصحابه. ثم ليعلم أنه لا بد أن تكون الرضاعة في سن الصغر دون الحولين على قول الجمهور" (?).
قوله تعالى: {وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ} [النساء: 23]، أي: وكذلك حرّم عليكم" أمهات نسائكم، سواء دخلتم بنسائكم، أم لم تدخلوا بهن" (?).
عن خلاس بن عمرو: " أن عليا قال في الرجل يتزوج المرأة، ثم يطلقها، أو ماتت قبل أن يدخل بها هل يحل له أمها؟ قال علي: هي بمنزلة الربيبة، يعني قوله: {وأمهات نسائكم} " (?).
أخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة، عن ابن عباس أنه كان يقول: إذا طلق الرجل امرأة قبل أن يدخل بها أو ماتت، لم تحل له أمها، أنه قال: مبهمة، فكرهها" (?). قال ابن أبي حاتم: "وروي عن ابن مسعود، وعمران بن حصين، ومسروق، وطاوس، وعكرمة، وعطاء، والحسن، ومكحول، وابن سيرين، وقتادة، والزهري نحو ذلك (?).
أخرج ابن أبي حاتم عن الحسن بن محمد أن هؤلاء الآيات مبهمات: {وَحَلائِلُ أَبْنَائِكُمُ} {أُمَّهَاتُ نِسَائِكُم} " (?)، ثم قال: "وروي عن طاوس وإبراهيم والزهري ومكحول نحو ذلك" (?).
قال ابن كثير: " معنى «مبهمات»: أي عامة في المدخول بها وغير المدخول، فتحرم بمجرد العقد عليها، وهذا متفق عليه. فإن قيل: فمن أين تحرم امرأة ابنه من الرضاعة، كما هو قول الجمهور، ومن