قوله تعالى: {إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ} [آل عمران: 160]، " إِن أراد الله نصركم فلا يمكن لأحدٍ أن يغلبكم" (?).
قال محمد بن إسحاق: " أي: إن ينصرك الله فلا غالب لك من الناس لن يضرك خذلان من خذلك" (?).
قال ابن عثيمين: أي: "إذا قدّر الله نصركم فإته لن يغلبكم أحد" (?).
قال الطبري: أي: " إن ينصركم الله، أيها المؤمنون بالله ورسوله، على من ناوأكم وعاداكم من أعدائه والكافرين به فلا غالب لكم من الناس، يقول: فلن يغلبكم مع نصره إياكم أحد، ولو اجتمع عليكم مَن بين أقطارها من خلقه، فلا تهابوا أعداء الله لقلة عددكم وكثرة عددهم، ما كنتم على أمره واستقمتم على طاعته وطاعة رسوله، فإن الغلبة لكم والظفر، دونهم" (?).
قوله تعالى: {وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ} [آل عمران: 160]، " أي: وإِن أراد خذلانكم وترك معونتكم فلا ناصر لكم" (?).
قال محمد بن إسحاق: " وإن يخذلك فلن ينصرك الناس، {فمن الذي ينصركم من بعده}، أي: لا تترك أمري للناس، وارفض أمر الناس لأمري " (?).
قال الطبري: " يعني: ولكن على ربكم، أيها المؤمنون، فتوكلوا دون سائر خلقه، وبه فارضوا من جميع من دونه، ولقضائه فاستسلموا، وجاهدوا فيه أعداءه، يكفكم بعونه، ويمددكم بنصره" (?).
و"النصر" في الآية الكريمة يحتمل وجهين (?):
أحدهما: المعونة: والمعنى: إن أعانكم الله؛ فلا يغلبكم العدو، {وإن يخذلكم}: ولم يعنكم؛ فمن ذا الذي أعانكم سواه؟ ! ، ومنه قوله تعالى: {وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ} [آل عمران: 22].
والثاني: المنع: أي: إن منع الله عنكم العدو، فلا غالب لكم، {وإن يخذلكم}: ولم يعنكم، فمن الذي يمنعكم من بعده؟ !
قال الماتريدي: "والخذلان في الحقيقة هو: ترك المأمول منه ما أمل منه، واستعمل في هذا كما استعمل الابتلاء على غير حقيقته" (?).
قال التستري: " الخذلان: هو غاية الترك، وأما الترك فإن صاحبه يذنب وهو مقر بذنبه، فإذا أذنب على أنه ديانة فهو الخذلان، وهو عقوبة الله تعالى صاحب الخذلان لأنه أقامه على ذنبه مع علمه به وتسويفه بالتوبة، ألا ترى أن إبليس لما أبى وأصر عليه بعد الإباء خذله الله بعلمه السابق فيه، لأنه أراد منه ما علم ولم يرد منه ما أمره به، وآدم عليه السلام لما لم يكن بالترك مخذولاً أقر بالذنب بعد إتيانه ورجع إلى ربه جل وعز، فقبل توبته" (?).
قوله تعالى: {وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ} [آل عمران: 160]، " أي: وعلى الله وحده فليلجأ وليعتمد المؤمنون" (?).
قال ابن إسحاق: " {وعلى الله}، أي: لا على الناس، {فليتوكل المؤمنون} " (?).
قال ابن عثيمين: أي: "إذا قدّر الله نصركم فإته لن يغلبكم أحد" (?).
قال ابن عثيمين: أي: "على الله وحده فليتوكل المؤمنون به " (?).
الفوائد:
1 - بيان كمال قدرة الله عزّ وجل، لقوله: {إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ}.
2 - وجوب تعلّق القلب بالله وحده في طلب الانتصار.
3 - أن الله إذا قدّر خذلان أحد فلا ناصر له.
4 - على الإنسان الأخذ بأسباب النصر، ألا وهي: الإخلاص لله عزّ وجل، وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهذا لقوله تعالى: {الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ} [الحج: 41].
5 - التحذير من فعل أسباب الخذلان، ومنها: تولي الكفار ومناصرتهم ومعاضدتهم، لأن الاعتماد يكون على الله تعالى وحده لا على الناس.
6 - وجوب التوكل على الله عزّ وجل، والتوكل من مقتضيات الإيمان.
القرآن
{وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (161)} [آل عمران: 161]
التفسير:
وما كان لنبيٍّ أن يَخُونَ أصحابه بأن يأخذ شيئًا من الغنيمة غير ما اختصه الله به، ومن يفعل ذلك منكم يأت بما أخذه حاملا له يوم القيامة; ليُفضَح به في الموقف المشهود، ثم تُعطى كل نفس جزاءَ ما كسبت وافيًا غير منقوص دون ظلم.
في سبب نزول الآية أقوال:
أحدها: أخرج عبد بن حميد والترمذي (?) والطبري (?) وأبو يعلى (?) وابن أبي حاتم (?) والطبراني (?)، وأبو داود (?)، والواحدي (?)، وابن عدي (?)، من طريق خصيف عن مقسم: "حدثني ابن عباس إن هذه الآية نزلت: {وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ} في قطيفة حمراء فقدت يوم بدر، فقال بعض الناس: أخذها محمد وأكثروا في ذلك، فأنزل الله تبارك وتعالى: {مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} " (?).
والثاني: قال مقاتل: " نزلت في الذين طلبوا الغنيمة يوم أحد، وتركوا المركز، وقالوا: إنا نخشى أن يقول النبي- صلى الله عليه وسلم- من أخذ شيئا فهو له ونحن هاهنا وقوف، فلما رآهم النبي- صلى الله عليه وسلم- قال: «ألم أعهد إليكم ألا تبرحوا من المركز حتى يأتيكم أمري». قالوا: تركنا بقية إخواننا وقوفا، فقال النبي- صلى الله عليه وسلم: «ظننتم أنا نغل»، فنزلت: {وما كان لنبي أن يغل} " (?). وكذا نقله الواحدي عن مقاتل والكلبي (?).