قال ابن كثير: " لانفضوا عنك وتركوك، ولكن الله جمعهم عليك، وألان جانبك لهم تأليفا لقلوبهم، كما قال عبد الله بن عمرو: إنه رأى صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم في الكتب المتقدمة: «أنه ليس بفَظٍّ، ولا غليظ، ولا سَخّاب في الأسواق، ولا يجزي بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويصفح» (?) " (?).

وعن عائشة –رضي الله تعالى عنها-: "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنَّ الله أمَرَنِي بِمُدَارَاةِ النَّاس كَمَا أمَرني بِإقَامَة الْفَرَائِضِ" (?).

قوله تعالى: {فَاعْفُ عَنْهُمْ} [آل عمران: 159]، "أي: فتجاوز عما نالك من أذاهم يا محمد" (?).

قال محمد بن إسحاق: " أي: فتجاوز عنهم" (?).

قال الطبري: أي: " فاعف عنهم، فتجاوز، يا محمد، عن تُبَّاعك وأصحابك من المؤمنين بك وبما جئت به من عندي، ما نالك من أذاهم ومكروهٍ في نفسك " (?).

قوله تعالى: {وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ} [آل عمران: 159]، أي: " واطلب لهم من الله المغفرة" (?).

قال محمد بن إسحاق: "، ذنوبَ من قارف من أهل الإيمان منهم " (?).

قال الطبري: أي: " وادع ربك لهم بالمغفرة لما أتوا من جُرْم، واستحقوا عليه عقوبة منه" (?).

قوله تعالى: {وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ} [آل عمران: 159]، أي: "وشاورهم في جميع أمورك" (?).

قال ابن كثير: " ولذلك كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يشاور أصحابه في الأمر إذا حَدَث، تطييبًا لقلوبهم؛ ليكونوا فيما يفعلونه أنشط لهم كما شاورهم يوم بدر في الذهاب إلى العير فقالوا: يا رسول الله، لو استعرضت بنا عُرْض البحر لقطعناه معك، ولو سرت بنا إلى بَرْك الغَمَاد لسرنا معك، ولا نقول لك كما قال قوم موسى لموسى: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون، ولكن نقول: اذهب، فنحن معك وبين يديك وعن يمينك وعن شمالك مقاتلون (?).

وشاورهم - أيضا - أين يكون المنزل؟ حتى أشار المنذر بن عمرو المعتق ليموتَ، بالتقدم إلى أمام القوم، وشاورهم في أحد في أن يقعد في المدينة أو يخرج إلى العدو، فأشار جمهُورُهم بالخروج إليهم، فخرج إليهم.

وشاورهم يوم الخندق في مصالحة الأحزاب بثلث ثمار المدينة عامئذ، فأبى عليه ذلك السَعْدَان: سعدُ بن معاذ وسعدُ بن عُبَادة، فترك ذلك.

وشاورهم يومَ الحُدَيبية في أن يميل على ذَرَاري المشركين، فقال له الصديق: "إنا لم نجيء لقتال أحد، وإنما جئنا معتمرين" (?)، فأجابه إلى ما قال.

وقال عليه السلام في قصة الإفك: «أشِيروا عَلَيَّ مَعْشَرَ الْمُسْلِمينَ فِي قَوْمٍ أبَنُوا أهلِي ورَمَوهُم، وايْمُ اللهِ مَا عَلِمْتُ عَلَى أهْلِي مِنْ سُوءٍ، وأبَنُوهم بمَنْ - واللهِ - مَا عَلِمْتُ عَلَيْهِ إلا خَيْرًا» (?). واستشار عليا وأسامة في فراق عائشة، رضي الله عنها، فكان-صلى الله عليه وسلم-يشاورهم في الحروب ونحوها.

وقد اختلف الفقهاء: هل كان ذلك واجبا عليه أو من باب الندب تطييبا لقلوبهم؟ على قولين.

طور بواسطة نورين ميديا © 2015