قال المراغي: " أي إنكم بأى سبب كان هلاككم فإنكم إلى الله تحشرون لا إلى غيره، فيجزى كلا منكم بما يستحق من الجزاء، فيجازى المحسن على إحسانه، والمسيء على إساءته، ولا يرجى من غيره ثواب، ولا يتوقع منه دفع عقاب، فآثروا ما يقربكم إليه، ويجلب لكم رضاه من العمل بطاعته، وعليكم بالجهاد فى سبيله، ولا تركنوا إلى الدنيا ولذاتها، فإنها فانية، وتلك الحياة الأخرى باقية خالدة" (?).
قال الطبري: يعني: " فآثروا ما يقرّبكم من الله ويوجب لكم رضاه، ويقربكم من الجنة، من الجهاد في سبيل الله والعمل بطاعته، على الركون إلى الدنيا وما تجمعون فيها من حُطامها الذي هو غير باقٍ لكم، بل هو زائلٌ عنكم، وعلى ترك طاعة الله والجهاد، فإن ذلك يبعدكم عن ربكم، ويوجب لكم سخطه، ويقرِّبكم من النار" (?).
الفوائد:
1 - زيادة تسلية للمؤمنين، لأن المؤمن إذا علم أن مرجعه إلى الله فإنه سوف يطمئن وسوف يستبشر وينشرح صدره بذلك.
2 - إثبات لقاء الله عزّ وجل، لقوله: {لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ}.
3 - إثبات الجشر يوم القيامة، فإن الناس يقومون من قبورهم ويحشرون إلى الله عزّ وجل ليجازيهم.
القرآن
{فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (159)} [آل عمران: 159]
التفسير:
فبرحمة من الله لك ولأصحابك -أيها النبي- منَّ الله عليك فكنت رفيقًا بهم، ولو كنت سيِّئ الخُلق قاسي القلب، لانْصَرَفَ أصحابك من حولك، فلا تؤاخذهم بما كان منهم في غزوة «أُحد»، واسأل الله -أيها النبي- أن يغفر لهم، وشاورهم في الأمور التي تحتاج إلى مشورة، فإذا عزمت على أمر من الأمور -بعد الاستشارة- فأَمْضِه معتمدًا على الله وحده، إن الله يحب المتوكلين عليه.
في سبب نزول الآية:
قال مقاتل: " {وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ}، وذلك أن العرب في الجاهلية كان إذا أراد سيدهم أن يقطع أمرا دونهم ولم يشاورهم شق ذلك عليهم. فأمر الله- عز وجل- النبي- صلى الله عليه وسلم- أن يشاورهم في الأمر إذا أراد فإن ذلك أعطف لقلوبهم عليه، وأذهب لضغائنهم" (?).
قوله تعالى: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ} [آل عمران: 159]، "أي: فبسبب رحمةٍ من الله أودعها الله في قلبك يا محمد كنت هيناً ليّن الجانب مع أصحابك مع أنهم خالفوا أمرك وعصوك" (?).
قال مقاتل: أي: " فبرحمة الله كان إذ لنت لهم في القول، ولم تسرع إليهم بما كان منهم يوم أحد يعنى المنافقين" (?).
قال ابن كثير: " أي: أي شيء جعلك لهم لينا لولا رحمة الله بك وبهم" (?).
قوله تعالى: {وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ} [آل عمران: 159]، "أي: ولو كنت جافي الطبع قاسي القلب، تعاملهم بالغلظة والجفا" (?).
قال ابن كثير: أي: لو كنت سيِّئَ الكلام قاسي القلب " (?).
قوله تعالى: {لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ} [آل عمران: 159]، أي: " لتفرقوا عنك ونفروا منك" (?).