وقال الحسن: " فكيف عفى عنهم، وقد قتل منهم سبعون وجرح سبعون، وأسر منهم سبعون، وشج رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكسر رباعيته، وهشم البيضة على رأسه، قال الحسن ولقد عفا عنكم: لم يستأصلكم لمخالفتكم رسول الله صلى الله عليه وسلم، إنما خافوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن قال لقوم منهم: لا تبرحوا مكانكم، فعاقبهم بما قد رأيت، وعفا عنهم ألا يكون اصطلمهم" (?).

قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ} [آل عمران: 155]، أي: إن الله "واسع المغفرة حليم لا يعجل العقوبة لمن عصاه" (?).

قال الزمخشري: أي: "إن الله غفور للذنوب، حليم لايعاجل بالعقوبة" (?).

قال سعيد بن جبير: " فلم يجعل لمن انهزم يوم أحد بعد قتال بدر النار، كما جعل يوم بدر، فهذه رخصة بعد التشديد" (?).

عن قتادة قوله: " {إن الله غفور} للذنوب الكبيرة أو الكثيرة" (?).

ابن أبي سلمة قال: "الحلم أرفع من العقل، إن الله عز وجل تسمى به" (?).

أخرج ابن المنذر عن عاصم، عن شقيق، قال: "لقي عبد الرحمن بن عوف الوليد بن عتبة، فقال له الوليد: ما لي أراك جفوت أمير المؤمنين، عثمان فقال عبد الرحمن " أبلغه أني لم أفر يوم عينين " قال عاصم: هو يوم أحد ولم أتخلف عن بدر، ولم أترك سنة عمر " قال: فانطلق فخبر بذلك عثمان، فقال: " أما قوله: إني لم أفر يوم عينين فكيف يعيرني بذنب، قد عفا الله عنه، فقال: {إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا ولقد عفا الله عنهم}؟ وأما قوله: إني تخلفت يوم بدر فإني كنت أمرض رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى ماتت، وضرب لي رسول الله بسهمه، ومن ضرب له رسول الله صلى الله عليه وسلم بسهمه، فقد شهد وأما قوله: إني لم أترك سنة عمر، فإني لا أطيقها ولا هو فأته فحدثه بذلك " (?).

الفوائد:

1 - بيان سبب انهزام من انهزم من الصحابة، وهو استزلال الشيطان لهم، فيتفرغ من ذلك أن كل ترك للواجب أو فعل للمحرم فإنما هو من استزلال الشيطان، ويتفرغ أيضا أنه قد يعاقب الإنسان بالمعصية لمعصية أخرى.

2 - تحريم الفرار إذا التقى الجمعان، إلا إذا كان متحرفا لقتال او متحيزا لفئة، أو إذا كانوا أكثر من مثليهم، ولكن الثبات أفضل.

3 - إثبات أن للشيطان تأثيرا على العبد في عمله الصالح وحتى في الجهاد.

4 - الرد على الجبرية، وذلك في قوله: {ببعض ما كسبوا}، ومن قوله: {تولوا منكم}.

5 - بيان فضل الله على عباده، إذ أن الله تعالى قد عفا عن هؤلاء، فرحمته تعالى أوسع، فمن سعة رحمته عفا عنهم.

6 - إثبات اسمين من اسماء الله تعالى، وهما: الغفور والحليم، وما تضمناه من صفة، فالغفور تضمن المغفرة، والحليم تضمن الحلم.

القرآن

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (156)} [آل عمران: 156]

طور بواسطة نورين ميديا © 2015