قال المراغي: أي: " فهو عالم بجميع أعمالكم ومقاصدكم، والدواعي التي حفزتكم عليها، وقادر على مجازاتكم، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر، وفى هذا ترغيب فى الطاعة، وزجر عن الإقدام على المعصية" (?).

الفوائد:

1 - التوبيخ اللطيف في قوله: {وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ}، فإن الشجاعة تمنع أن يقع من الإنسان مثل هذه الحال، يهرب ولايلوي على أحد، والرسول يدعوه، ففيه توبيخ لطيف للصحابة-رضوان الله تعالى عليهم-

2 - حسن رعاية النبي-صلى الله عليه وسلم- لأمته في قيادته العظيمة إذ يكون في أخريات القوم وذلك من اجل أن يتفقدهم.

3 - أنه ينبغي للقائد أن يكون ذا شجاعة ي قيادته بحيث يثبت ويدعو إلى الثبات.

4 - إثبات رسالة النبي-صلى الله عليه وسلم- لقوله: {والرسول يدعوكم}.

5 - إثبات حكمة الله تعالى في أفعاله، وذلك لقوله: {لكيلا}، فإن اللام للتعليل.

6 - أن الله تعالى يحب من عباده ألا يحزنوا، لأنه قدّر الغم بالغم من اجل ألا يحزنوا.

7 - التربية العظيمة للعباد، وهي ألا يحزنوا على ما فاتهم، والحزن يزيد الإنسان بلاء.

8 - إثبات علم الله الواسع لكل معلوم، وبالتالي وجوب الحذر من مخالفة الله عزّ وجل.

9 - الرد على غلاة القدرية من ق: {خبير}، لأنهم ينكرون علم الله بفعل العبد.

القرآن

{ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (154)} [آل عمران: 154]

التفسير:

ثم كان من رحمة الله بالمؤمنين المخلصين أن ألقى في قلوبهم من بعد ما نزل بها من همٍّ وغمٍّ اطمئنانًا وثقة في وعد الله، وكان من أثره نعاس غَشِي طائفة منهم، وهم أهل الإخلاص واليقين، وطائفة أُخرى أهمَّهم خلاص أنفسهم خاصة، وضَعُفَتْ عزيمتهم وشُغِلوا بأنفسهم، وأساؤوا الظن بربهم وبدينه وبنبيه، وظنوا أن الله لا يُتِمُّ أمر رسوله، وأن الإسلام لن تقوم له قائمة، ولذلك تراهم نادمين على خروجهم، يقول بعضهم لبعض: هل كان لنا من اختيار في الخروج للقتال؟ قل لهم -أيها الرسول-: إن الأمر كلَّه لله، فهو الذي قدَّر خروجكم وما حدث لكم، وهم يُخْفون في أنفسهم ما لا يظهرونه لك من الحسرة على خروجهم للقتال، يقولون: لو كان لنا أدنى اختيار ما قُتِلنا هاهنا. قل لهم: إن الآجال بيد الله، ولو كنتم في بيوتكم، وقدَّر الله أنكم تموتون، لخرج الذين كتب الله عليهم الموت إلى حيث يُقْتلون، وما جعل الله ذلك إلا ليختبر ما في صدوركم من الشك والنفاق، وليميز الخبيث من الطيب، ويظهر أمر المؤمن من المنافق للناس في الأقوال والأفعال. والله عليم بما في صدور خلقه، لا يخفى عليه شيء من أمورهم.

في سبب نزول الآية وجوه:

أحدها: قال مقاتل: " نزلت في سبعة نفر، فى أبى بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، والحارث بن الصمة، وسهل بن ضيف ورجلين من الأنصار- رضى الله عنهم-" (?).

قال ابن حجر: " ثبت في الصحيح ذكر أبي طلحة فيمن غشيه النعاس وهو أنصاري" (?).

والثاني: أخرج الطبري عن الزبير قال: "والله إنّي لأسمع قول معتِّب بن قشير (?) (?)، أخي بني عمرو بن عوف، والنعاسُ يغشاني، ما أسمعه إلا كالحلم حين قال: لوْ كان لنا من الأمر شيء ما قُتلنا هاهنا! " (?).

طور بواسطة نورين ميديا © 2015