أحدهما: أن الأسلام هاهنا الاستسلام إلى الله، وتفويض الأمر إليه، وذلك أمر مراد من الناس في كل زمان ومن كل أمة وفي كل شريعة.

قال الراغب: " الدين في اللغة الطاعة وفي التعارف: وضع إلهي ينساق به الناس إلى النعيم الدائم، فبين تعالى أن من تحرى طاعة وانسياقا إلى النعيم من غير الاستسلام له على ما يأمره به. ويصرفه فيه فلن يقبل منه دنيء من أعماله، وهو في الآخرة من الذين خسروا أنفسهم" (?).

والثاني: أن المراد بالإسلام شريعة محمد عليه الصلاة والسلام، فبين أن من تحرى بعد بعثته شريعة أو طاعة لله من غير متابعته في شريعته فغير مقبول منه.

قال الراغب: " وهذا الوجه داخل في الأول، فمعلوم أن من الاستسلام الانقياد لأوامر من

صحت نبوته وظهر صدقه" (?).

قوله تعالى: {وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [آل عمران: 85]، أي: وهو في الآخرة من "الباخسين أنفسَهم حظوظَها من رحمة الله عز وجل" (?).

قال السمعاني: " وحق لمن يبتغي غير دين الإسلام أن يصبح غدا من الخاسرين" (?).

قال عكرمة: " قوله: {ومن يبتغ غير الإسلام دينا}، فقالت الملل: نحن مسلمون، فأنزل الله تعالى: {ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا}، فحج المسلمون وقعد الكفار" (?).

الفوائد:

1 - بطلان كل عمل ليس على دين الإسلام، لقوله: {فلن يقبل منه}.

2 - أن جميع الأديان غير دين الإسلام غير مقبولة عند الله ولا نافعة للمتدين بها، لعموم قوله: {غير الإسلام}، فيشمل دين المسيحية واليهودية والبوذية والمجوسية، وكل دين، فإن الله لايقبل غير الإسلام.

3 - الثناء على دين الاسلام، وأنه هو المقبول المحبوب إلى الله.

4 - إثبات الآخرة، وأن فيها خسارة وربح أعظم من خسارة الدنيا وربحها.

القرآن

{كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (86)} [آل عمران: 86]

التفسير:

كيف يوفق الله للإيمان به وبرسوله قومًا جحدوا نبوة محمد صلى الله عليه وسلم بعد إيمانهم به، وشهدوا أن محمدًا صلى الله عليه وسلم حق وما جاء به هو الحق، وجاءهم الحجج من عند الله والدلائل بصحة ذلك؟ والله لا يوفق للحق والصواب الجماعة الظلمة، وهم الذين عدلوا عن الحق إلى الباطل، فاختاروا الكفر على الإيمان.

في سبب نزول الآيات (86 - 89) اقوال:

أحدها: أخرج النسائي (?)، والطبري (?)، وابن أبي حاتم (?)، وصححه ابن حبان (?)، والحاكم (?)، من طريق داود بن أبي هند عن عكرمة عن ابن عباس قال: "كان رجل (?) من الأنصار أسلم، ثم ارتد ولحق بالمشركين، ثم

طور بواسطة نورين ميديا © 2015