ثم قال: "فالأول هو المحقق من سياق الآية، والثاني محتمل، ويؤيد الجواز سعة الفضل" (?).

قال الراغب: " فإن قيل: كيف قال في موضع: {يُضَاعِفُ}، وفي موضع: {مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا} [الأنعام: 160]، وقال هاهنا ما يدل على أنه يحادي بواحد سبع مائة:

قيل: في ذلك طريقتان:

إحداهما: أن الخيرات تختلف باختلاف العالمين واختلاف نياتهما.

والثاني: أن تختلف باختلاف الأعمال.

فالأول: هو أن الناس فيما يتحرونه من أفعال الخير بالقول المجمل ثلاثة أضرب على ما قصد تعالى من ظالم ومقتصد وسابق أما الظالم: فالمتحري للخير مخافة سلطان ومذمة إنسان وتخويف عالم إياه من النار ونحو ذلك، وأما المقتصد: فالمتحري للخير مخافة عقاب الله ورجاء ثوابه من حيث ما قد تحقق وعده ووعيده، وأما السابق: فالمتحري للخير قصدا لوجه الله خالصا وثوابهم يختلف باختلاف مقاصدهم ولهذا قال عليه الصلاة والسلام في السابقين حاكيا عن الله عز وجل - " أَعْدَدْتُ لِعِبَادِي الصَّالِحِينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ " (?) الخبر.

والثاني: وهو أن يختلف باختلاف الأعمال وبيان ذلك أن السخاء أفضل أفعال العباد بدلالة قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: " السخاء شجرة من أشجار الجنة، أغصانها متدليات في الدنيا فمن أخذ بغصن من أغصانها أداه إلى الجنة، والبخل شجرة من أشجار النار، فمن أخذ بغصن من أغصانها أداه إلى النار " (?).

وقيل لبعض الحكماء: " أي شيء من أفعال العباد أشبه بفعل الله "؟ فقال: " السخاء، وأفضل الجود ما كان عن ضيق "، ولهذا قال الشاعر (?):

ليس العطاء من الفضول سماحة ... حتى تجود وما لديك قليل

وقد علم أن أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - كانوا مضيفين سيما في ابتداء الإسلام وأفضل الإنفاق ما يقصد به وجه الله لعز وجل -، وأفضل ما يقصد به وجهه ما يجعل في سبيل الله، وأفضل سبيل ينفق فيه ما كان أكثره غنى، وقد علم أنه لا جهاد أكبر من جهاد النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا قوم أكفر ممن كان يحاد بهم ولا زمان أحوج إلى محاربتهم من زمانه وكل وأحد من هذه الخصال يجري مجرى فعل يستحق

طور بواسطة نورين ميديا © 2015