أخرج ابن أبي حاتم بسنده " عن عكرمة: {وانظر إلى حمارك}، قال: لما قام نظر إلى مفاصله متفرقة، فمضى كل مفصل إلى صاحبه، فلما اتصلت المفاصل كسيت لحما" (?).

وري عن الربيع بن أنس: " {وانظر إلى حمارك}، وكأن حماره عنده كما هو" (?).

قال البغوي: " فنظر فإذا هو عظام بيض فركب الله تعالى العظام بعضها على بعض فكساه اللحم والجلد وأحياه وهو ينظر" (?).

قال المراغي: " كيف نخرت عظامه، وتقطعت أوصاله وتمزقت، ليستبين لك طول لبثك، وتطمئن بذلك نفسك" (?).

وقد اختلف أهل التفسير في قوله تعالى: {وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ} [البقرة: 259]، وذكروا وجوها (?):

الأول: فقال بعضهم: قال الله تعالى ذكره ذلك له، بعد أن أحياه خلقًا سويًّا، ثم أراد أن يحيي حماره تعريفًا منه تعالى ذكره له كيفية إحيائه القرية التي رآها خاوية على عروشها، فقال: {أنى يحيي هذه الله بعد موتها}؟ مستنكرًا إحياء الله إياها. قاله وهب (?)، والسدي (?).

الثاني: وقال آخرون منهم: بل قال الله تعالى ذكره ذلك له بعد أن نفخ فيه الروح في عينه، قالوا: وهي أول عضو من أعضائه نفخ الله فيه الروح، وذلك بعد أن سواه خلقًا سويًّا، وقبل أن يحيى حماره. قاله مجاهد (?)، وابن جريج (?).

الثالث: وقال آخرون: بل جعل الله الروح في رأسه وبصره، وجسدُه ميتٌ، فرأى حماره قائمًا كهيئته يوم ربطه، وطعامه وشرابه كهيئته يوم حَلَّ البقعة. ثم قال الله له: انظر إلى عظام نفسك كيف ننشزها. قاله وهب (?)، والضحاك (?)، وقتادة (?)، والربيع (?)، وابن زيد (?)، وبكر بن مضر (?).

قال الطبري: " وأولى الأقوال في هذه الآية بالصواب قولُ من قال: إن الله تعالى ذكره بعث قائل: {أنَّى يحيي هذه الله بعد موتها} من مماته، ثم أراه نظير ما استنكر من إحياء الله القرية التي مرّ بها بعد مماتها عيانًا من نفسه وطعامه وحماره. فحمل تعالى ذكره ما أراه من إحيائه نفسه وحماره مثلا لما استنكر من إحيائه أهل القرية التي مرّ بها خاويةً على عروشها، وجعل ما أراه من العِبرة في طعامه وشرابه، عبرة له وحجة عليه في كيفية إحيائه منازل القرية وجِنانها. وذلك هو معنى قول مجاهد الذي ذكرناه قبل، وإنما قلنا: ذلك أولى بتأويل الآية، لأنّ قوله: {وانظر إلى العظام} إنما هو بمعنى: وانظر إلى العظام التي تراها ببصرك كيف ننشزُها، ثم نكسوها لحمًا، وقد كان حماره أدركه من البلى في قول أهل التأويل جميعًا نظيرُ الذي لحق عظامَ من خوطب بهذا الخطاب، فلم يمكن صرف معنى قوله: (وانظر إلى العظام) إلى أنه أمرٌ له بالنظر إلى

طور بواسطة نورين ميديا © 2015