أمر آخر من بدائع آثار قدرته تعالى. وهو إبقاء الغذاء المتسارع إلى الفساد بالطبع، على ما كان عليه دهرا طويلا، من غير تغيّر مّا" (?).
قال علي بن ابي طالب: " خرج عزير نبي الله من مدينته، وهو شاب، فمر على قرية خربة ف قال أنى يحيي هذه الله بعد موتها فأماته الله مائة عام ثم بعثه فأول ما خلق منه عيناه، فنظر إلى عظامه ينصب بعضها إلى بعض، ثم كسيت لحما، ثم نفخ فيه الروح، فقيل له: كم لبثت؟ قال: لبثت يوما أو بعض يوم، قال: بل لبثت مائة عام، قال: فأتى مدينته، وقد ترك جارا له إسكافا شابا، فجاء وهو شيخ" (?).
وقد اختلفوا في إدغام (الثّاء) في (التاء) من قوله تعالى: {كَمْ لَبِثْتَ} [البقرة: 259]، و {لَبِثْتُمْ} [الكهف: 19]، و [المؤمنون: 112] (?):
القراءة الأولى: فقرأ ابن كثير ونافع وعاصم في كلّ القرآن ذلك بإظهار (الثاء).
القراءة الثانية: وقرأ أبو عمرو وابن عامر وحمزة والكسائيّ بالإدغام.
قال أبو علي: "من بيّن {لبثت} ولم يدغم، فلتباين المخرجين، وذلك أنّ الظاء والذال والثاء من حيّز، والطاء والتاء والدال من حيّز، فلمّا تباين المخرجان، واختلف الحيّزان لم يدغم، ومن أدغم أجراهما مجرى المثلين، من حيث اتفق الحرفان في أنّهما من طرف اللسان وأصول الثنايا، واتّفقا في الهمس، ورأى الذي بينهما من الاختلاف في المخرج خلافاً يسيراً فأدغم، وأجراهما مجرى المثلين. ويقوّي ذلك وقوع نحو هذا حرفي رويّ في قصيدة واحدة" (?).
قوله تعالى: {فَانظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ} [البقرة: 259]، أي" انظر إلى طعامك وشرابك الذي بقي مائة عام لم يتغير ولم يفسد" (?).
قال ابن عثيمين: " أبهمه الله عز وجل فلم يبين من أي نوع هو [الطعام والشراب]؛ و «الطعام» كل ما له طعم من مأكول، ومشروب؛ لكنه إذا قرن بالشراب صار المراد به المأكول" (?).
قوله تعالى: {لَمْ يَتَسَنَّهْ} [البقرة: 259]، أي: "لم يتغيّر" (?).
قال الطبري: أي: " لم تغيِّره السِّنون التي أتت عليه" (?).
قال الراغب: " أي لم يتغير بمرور السنين عليه" (?).
قال القاسمي: " قال سبحانه {فَانْظُرْ}، لتعاين أمرا آخر من دلائل قدرتنا [وهو أن طعامك وشرابك]، لم يتغيّر في هذه المدة المتطاولة مع تداعيه إلى الفساد" (?).
أخرج ابن أبي حاتم بسنده "عن قتادة: "كان طعامه الذي معه، سلة من تين" (?). قال ابن أبي حاتم: "وروي عن وهب بن منبه ومجاهد، نحو ذلك" (?).
وروي "عن السدي: فانظر إلى طعامك من التين والعنب" (?).