وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: " فلا يصح كفر المكره بغير حق، ولا إيمان المكره بغير حق؛ كالذمي الموفى بذمته، كما قال تعالى فيه {لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي} بخلاف المكره بحق، كالمقاتلين من أهل الحرب، حتى يسلموا إن كان قتالهم إلى الإسلام، أو إعطاء الجزية، إن كان القتال على أحدهما" (?).

وهذا القول الثاني اختاره الطبري وصوَّبه، وحمل عليه معنى الآية، فقال: "وأولى هذه الأقوال بالصواب، قول من قال: نزلت هذه الآية في خاصِّ من الناس"، ثم قال: "عنى بقوله تعالى ذكره: {لا إكراه في الدين} أهل الكتابين والمجوس، وكل من جاء إقراره على دينه المخالف دين الحق، وأخذ الجزية منه، وأنكروا أن يكون شيء منها منسوخا" (?).

والناظر في كتب التفسير المتقدمة عمومًا، يجد أن المفسرين لم يخرجوا عن هذين القولين، في الأغلب، ورجَّح أكثرهم القول بأن آية البقرة خاصة بأهل الكتاب ومن شاكلهم، وإن كان ثمة من ملاحظة نبديها على هذا المسلك، فهي أن نقول: إن القول بالتخصيص هنا لا يرفع التعارض الواقع بين الآيات موضوع الحديث، ناهيك على أن القاعدة التفسيرية تقرر: أن العبرة بعموم اللفظ، لا بخصوص السبب.

وبذلك فالذي يقتضيه النظر بين الأدلة، وما تقتضيه قواعد الأصول، أن نقول: إن إمكانية الجمع هنا ممكنة، وبالتالي فلا وجه للقول بالنسخ هنا، والأصوب أن يقال: يُعمل بهاتين الآيتين، كل في موضعه، وكل بحسب ظرفه؛ فآية البقرة: {لا إكراه في الدين}، يُعمل بها على مستوى الأفراد، فلا يُكره أحدٌ على اعتناق الإسلام والدخول فيه، أما آيات الجهاد والقتال، فيُعمل بها عندما يُواجَه هذا الدين من قِبَل أعدائه، أو يُمنع من تبليغ رسالة رب العالمين، إذ هي الهدف الأساس من دعوة الإسلام، ليكون {الدين كله لله} [الأنفال: 39] (?)، وبذلك تلتئم الأدلة وتتفق، ويُحمل كل دليل بحسب ظرفه وسياقه (?). والله تعالى أعلم.

قوله تعالى: قوله تعالى: {لآَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ} [البقرة: 256]، أي: " لا يكره أحد في دين الإسلام عليه" (?).

قال الزمخشري: " أى لم يجر اللَّه أمر الإيمان على الإجبار والقسر، ولكن على التمكين والاختيار" (?).

و(الإكراه): الإرغام على الشيء (?).

طور بواسطة نورين ميديا © 2015