قال القرطبي: " وتقرر في هذه الآية أن الله يأذن لمن يشاء في الشفاعة، وهم الأنبياء والعلماء والمجاهدون والملائكة وغيرهم ممن أكرمهم وشرفهم الله، ثم لا يشفعون إلا لمن ارتضى؛ كما قال: {وَلا يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارْتَضَى} [الأنبياء: 28] " (?).
وقال ابن عطية: "والذي يظهر أن العلماء والصالحين يشفعون فيمن لم يصل إلى النار وهو بين المنزلتين، أو وصل ولكن له أعماله صالحة" (?).
قال الشوكاني: " {من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه}، في هذا الاستفهام من الإنكار على من يزعم أن أحدا من عباده يقدر على أن ينفع أحدا منهم بشفاعة أو غيرها والتقريع والتوبيخ له ما لا مزيد عليه وفيه من الدفع في صدور عباد القبور والصد في وجوههم والفت في أعضادهم مالا يقادر قدره ولا يبلغ مداه" (?).
قال أبو حيان: " والإذن هنا معناه الأمر، كما ورد: إشفع تشفع، أو العلم أو التمكين إن شفع أحد بلا أمر" (?).
قوله تعالى: {يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ} [البقرة: 255]، يعني: "أنه المحيط بكل ما كان وبكل ما هو كائن علما، لا يخفى عليه شيء منه" (?)
قال الحجاي: "العالم وحده بالخفيات يعلم الكليات والجزئيات" (?).
وقد ذكر أهل التفسير في قوله تعالى: {يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ} [البقرة: 255]، وجوها (?):
أحدهما: ما بين أيديهم: هو ما قبل خلقهم، وما خلفهم: هو ما بعد موتهم.
الثاني: ما بين أيديهم: هو الدنيا، وما خلفهم: الآخرة. قاله الحكم (?) وروي نحوه عن ابن مجاهد (?) وجريج (?) والسدي (?).
الثالث: ما بين أيديهم: ما أظهروه، وما خلفهم: ما كتموه.
الرابع: {يعلم ما بين أيديهم} أي المستقبل؛ {وما خلفهم} أي الماضي، قاله الشيخ ابن عثيمين (?).
قال أبو حيان: " والذي يظهر أن هذا كناية عن إحاطة علمه تعالى بسائر المخلوقات من جميع الجهات وكنى بهاتين الجهتين عن سائر جهات من أحاط علمه به، كما تقول: ضرب زيد الظهر والبطن، وأنت تعني بذلك جميع جسده، واستعيرت الجهات لأحوال المعلومات، فالمعنى أنه تعالى عالم بسائر أحوال المخلوقات، لا يعزب عنه شيء، فلا يراد بما بين الأيدي ولا بما خلفهم شيء معين. كما ذهبوا إليه" (?).
قال السعدي: " فعلمه تعالى محيط بتفاصيل الأمور، متقدمها ومتأخرها، بالظواهر والبواطن، بالغيب والشهادة، والعباد ليس لهم من الأمر شيء ولا من العلم مثقال ذرة إلا ما علمهم تعالى" (?).