قال ابن عثيمين: " و «العلم» عند الأصوليين: إدراك الشيء إدراكاً جازماً مطابقاً؛ فعدم الإدراك: جهل؛ والإدراك على وجه لا جزم فيه: شك؛ والإدراك على وجه جازم غير مطابق: جهل مركب؛ فلو سئلت: متى كانت غزوة بدر؟ فقلت: «لا أدري» فهذا جهل؛ ولو سئلت: متى كانت غزوة بدر؟ فقلت: «إما في الثانية؛ أو في الثالثة» فهذا شك؛ ولو سئلت: متى كانت غزوة بدر؟ فقلت: «في السنة الخامسة» فهذا جهل مركب؛ والله عز وجل يعلم الأشياء علماً تاماً شاملاً لها جملة، وتفصيلاً؛ وعلمه ليس كعلم العباد" (?).
قوله تعالى: {وَلا يُحِيطُونَ بِشَيءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَآءَ} [البقرة: 255]، أي: " لا معلوم لأحد إلا ما شاء الله أن يعلمه" (?).
عن السدي: " {ولا يحيطون بشيء من علمه}، يقول: لا يعلمون بشيء من علمه " إلا بما شاء "، هو أن يعلمهم" (?).
قال الشوكاني: " والعلم هنا بمعنى المعلوم أي لا يحيطون بشيء من معلوماته" (?).
قال القاسمي: " الإحاطة تقتضي الحفوف بالشيء من جميع جهاته، والاشتمال عليه، والعلم هنا المعلوم لأن علم الله الذي هو صفة ذاته لا يتبعض، كما جاء في حديث موسى والخضر: "ما نقص علمي وعلمك من علمه إلاّ كما نقص هذا العصفور من هذا البحر" (?)، والاستثناء يدل على أن المراد بالعلم المعلومات، وقالوا: اللهم اغفر علمك فينا، أي معلومك، والمعنى: لا يعلمون من الغيب الذي هو معلوم الله شيئاً إلاّ ما شاء أن يُعلمهم، قاله الكلبي. وقال الزجاج: إلا بما أنبأ به الأنبياء تثبيتاً لنبوتّهم" (?).
قال الطبري: " أنه العالم الذي لا يخفي عليه شيء محيط بذلك كله محص له دون سائر من دونه وأنه لا يعلم أحد سواه شيئا إلا بما شاء هو أن يعلمه، فأراد فعلمه، وإنما يعني بذلك: أن العبادة لا تنبغي لمن كان بالأشياء جاهلا فكيف يعبد من لا يعقل شيئا البتة من وثن وصنم؟ ! يقول: أخلصوا العبادة لمن هو محيط بالأشياء كلها، يعلمها، لا يخفي عليه صغيرها وكبيرها" (?).
وقد ذكر أهل العلم في تفسير قوله تعالى: {وَلا يُحِيطُونَ بِشَيءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَآءَ} [البقرة: 255]، ثلاثة معاني (?):
المعنى الأول: لا يحيطون بشيء من علم نفسه؛ أي لا يعلمون عن الله سبحانه وتعالى من أسمائه، وصفاته، وأفعاله، إلا بما شاء أن يعلمهم إياه، فيعلمونه.
المعنى الثاني: ولا يحيطون بشيء من معلومه - أي مما يعلمه في السموات، والأرض - إلا بما شاء أن يعلمهم إياه، فيعلمونه.
المعنى الثالث: وقيل: إلا بما أنبأ الأنبياء تثبيتا لنبوتهم (?).
وقوله تعالى: {إِلاَّ بِمَا شَآءَ} [البقرة: 255]، فإن {ما} يحتمل أن تكون مصدرية؛ أي: إلا بمشيئته؛ ويحتمل أن تكون موصولة؛ أي: إلا بالذي شاء؛ وعلى التقدير الثاني يكون العائد محذوفاً؛ والتقدير: إلا بما شاءه (?).