القول الثاني: آراء الرافضين لمسألة التفضيل بين سور وآي القرآن الكريم وأدلتهم:
ذكر الإمام بدر الدين محمد بن عبد الله الزركشي مسألة التفضيل فقال: "وقد اختلف الناس في ذلك، فذهب الشيخ أبو الحسن الأشعري، والقاضي أبو بكر الباقلاني، وأبو حاتم ابن حبان وغيرهم إلى أنه لا فضل لبعض على بعض؛ لأن الكل كلام الله، وكذلك أسماؤه تعالى لا تفاضل بينهما ... احتجوا بأن الأفضل يشعر بنقص المفضول، وكلام الله حقيقة واحدة لا نقص فيه" (?).
ونقل عن ابن حبان قوله: "أعظم سورة، أراد به في الأجر، لا أن بعض القرآن أفضل من بعض" (?).
وقال النووي: "وفي التفضيل خلاف للعلماء فمنع منه أبو الحسن الأشعري وأبو بكر الباقلاني وجماعة من الفقهاء والعلماء لأن تفضيل بعضه يقتضي نقص المفضول، وليس في كلام الله نقص به وتأول هؤلاء ما ورد من إطلاق أعظم وأفضل في بعض الآيات والسور بمعنى عظيم وفاضل" (?).
والراجح في هذه المسألة-والله أعلم-، ثبوت التفضيل لما جاء من الأخبار الصحيحة فيه وأن التفضيل يكون في التفاوت في المعاني ولا مانع أن يكون في زيادة الثواب، أما ما ذهب إليه المانعون من التفضيل خوفاً من دخول النقصان على القرآن فلا معنى له؛ لأن الجميع متفق على أن السور والآيات كلام الله فهو من هذا الجانب لا يتفاضل كما قال ابن تيمية وغيره، ولكن من ناحية المعاني فلا يخفى على أحد كما قال عز الدين بن عبد السلام: "كلام الله في الله أفضل من كلام الله في غيره فـ "قل هو الله أحد" أفضل من {تب يدا أبي لهب} " (?)، واختاره القاضي أبو بكر بن العربي للأدلة الصريحة وقال: "إنما صارت آية الكرسي أعظم لعظم مقتضاها، فإن الشيء إنما يشرف بشرف ذاته ومقتضاه ومتعلقاته" (?).
بل ربما يكون منع التفاضل إنكار لموجب النصوص الشرعية، فإن المثبت لهذه المفاضلة معتصم بالكتاب والسنة، وأما النافي فليس معه آية من كتاب الله ولا حديث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وإنما معه مجرد رأي يزعم أن عقله دل عليه، ومنازعه يبين أن العقل إنما دل على نقيضه، وأن خطأه معلوم بصريح المعقول، كما هو معلوم بصحيح المنقول (?).
بل إذا نظرت في قوله تعالى: {مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا} [البقرة: 106]، قال ابن تيمية: "فأخبر أنه يأتي بخير منها أو مثلها، وهذا بيان من الله لكون تلك الآية قد يأتي بمثلها تارة أو خير منها أخرى، فدل ذلك على أن الآيات تتماثل تارة وتتفاضل أخرى، وأيضاً فالتوراة والإنجيل والقرآن جميعها كلام الله، مع علم المسلمين بأن القرآن أفضل الكتب الثلاثة" (?).
قوله تعالى: {اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ} [البقرة: 255]، " أي: ما إله إلا هو" (?).
قال جابر بن زيد: "اسم الله الأعظم هو: الله" (?).
وقال ابن عباس: " {لا إله إلا هو}: توحيده" (?).
قال الشوكاني: " أي: لا معبود بحق إلا هو" (?).