وأبو بكر بن العربي، وابن الحصار من المالكية وذلك بيّن واضح" (?)، ويقصد بقوله: بيّن واضح من خلال الأخبار الصحيحة الواردة في هذا المجال.
رابعاً: رأي الإمام القرطبي: بعد أن ذكر الاختلاف قال: "وقال قوم بالتفضيل وأن ما تضمنه قوله تعالى: {وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ} [البقرة: 163]، وآية الكرسي، وآخر سورة الحشر، وسورة الإخلاص من الدلالات على وحدانيته وصفاته ليس موجوداً مثلاً في {تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ} [المسد: 1] وما كان مثلها، والتفضيل إنما هو بالمعاني العجيبة وكثرتها، لا من حيث الصفة، وهذا هو الحق" (?).
إذاً هذا التفضيل الذي ذهب إليه القرطبي بالنظر إلى ما تضمنته هذه السور والآيات من المعاني والأصول لا من ناحية الأجر والثواب فقط كما ذهب إليه الطرف الآخر، وذكر القرطبي أن هذا الاختيار هو اختيار مجموعة من العلماء كالقاضي أبي بكر بن العربي وابن الحصار لما ورد من أخبار في هذا المجال حتى قال ابن الحصار: "عجبي ممن يذكر الاختلاف مع هذه النصوص" (?)، ونقل عن ابن العربي قوله: "ما أنزل الله في التوراة ولا في الإنجيل ولا في القرآن مثلها – الفاتحة – وسكت عن سائر الكتب، كالصحف المنزلة والزبور وغيرها؛ لأن هذه المذكورة أفضلها، وإذا كان الشيء أفضل الأفضل، صار أفضل الكل؛ كقولك زيد أفضل العلماء، فهو أفضل الناس، وفي الفاتحة من الصفات ما ليس لغيرها؛ حتى قيل: إن جميع القرآن فيها ... وبهذا المعنى صارت أم القرآن العظيم ... وهي تضمنت التوحيد والعبادة" (?).
خامساً: رأي ابن تيمية: أفرد ابن تيمية لهذه المسألة ومتعلقاتها كتاباً خاصاً سماه (جواب أهل العلم والإيمان بتحقيق ما أخبر به رسول الله من أن "قل هو الله أحد" تعدل ثلث القرآن)، حيث دلل على ما ذهب إليه من جواز التفضيل بالأدلة الكثيرة ورد على من ينفي ذلك وأنه يعارض بنفيه جميع الأدلة الشرعية المؤيدة للتفاضل فقال: "وفي الجملة فدلالة النصوص النبوية والآثار السلفية والأحكام الشرعية والحجج العقلية على أن كلام الله بعضه أفضل من بعض هو من الدلالات الظاهرة المشهورة" (?)، ثم يذهب يبين في أي شيء يحصل التفاضل فيقول: "فمعلوم أن الكلام له نسبتان، نسبة إلى المتكلم فيه، فهو يتفاضل باعتبار النسبتين، وباعتبار نفسه أيضاً ... "فقل هو الله أحد، وتبت يدا أبي لهب كلاهما كلام الله وهما مشتركان في هذه الجهة، ولكنهما متفاضلان من جهة المتكلم فيه المخبر عنه: فهذا كلام الله وخبره الذي يخبر به عن نفسه وصفته التي يصف بها نفسه، وكلامه الذي يتكلم به عن نفسه، وهذا كلام الله الذي يتكلم عن بعض خلقه، ويخبر به عنه ويصف به حاله، وهما في هذه الجهة متفاضلان بحسب تفاضل المعنى المقصود بالكلامين ... " (?)، ثم تابع شرحه لما ذهب إليه قائلاً: "فليس الخبر المتضمن للحمد لله والثناء عليه بأسمائه الحسنى، كالخبر المتضمن لذكر أبي لهب وفرعون وإبليس، وإن كان هذا كلاماً عظيماً معظماً يكلم الله به ... " (?)، ونسب إلى السلف الصالح القول بالتفاضل فقال: "والقول بأن كلام الله بعضه أفضل من بعض هو القول المأثور عن السلف، وهو الذي عليه أئمة الفقهاء من الطوائف الأربعة وغيرهم" (?).