الرابع: وروى عبد الوهاب عن أبان عن عاصم: ولولا دفاع الله بألف (?).

قال أبو علي: " (دفاع) يحتمل أمرين: يجوز أن يكون مصدراً لفعل، كالكتاب واللّقاء، ونحو ذلك من المصادر لتي تجيء على فعال. كما يجيء على فعال نحو: الجمال والذّهاب. ويجوز أن يكون مصدراً لفاعل، يدلّ على ذلك قراءة من قرأ: {إِنَّ اللَّهَ يُدافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا}، فالدفاع يجوز أن يكون مصدراً لهذا، كالقتال، ونظيره الكتاب في أنه جاء مصدراً لفاعل وفعل، فقوله تعالى: {وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ فَكاتِبُوهُمْ} [النور: 33] الكتاب فيه مصدر كاتب، كما أن المكاتبة كذلك، وقال تعالى: {كِتابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ} [النساء: 24] فالكتاب مصدر لكتب الذي دلّ عليه قوله تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ} [النساء: 23] لأن المعنى: كتب هذا التحريم عليكم كتاباً، وكذلك قوله: كِتاباً مُؤَجَّلًا [آل عمران: 145] كأنّ معنى دفع ودافع سواء، ألا ترى أن قوله (?):

وَلَقَدْ حَرَصْتُ بِأَنْ أُدافِعَ عَنْهُم ... فَإِذا الْمَنِيَّةُ أَقْبَلَتْ لا تُدْفَع

فوضع أدافع موضع أدفع، كأن المعنى: حرصت بأن أدفع عنهم المنية، فإذا المنية لا تدفع، كأنّ المعنى: حرصت بأن أدفع عنهم المنيّة، فإذا المنيّة لا تدفع، وقال أمية (?):

لولا دفاع الله ضلّ ضلالنا ... ولسرّنا أنّا نتلّ ونوأد

قال أبو علي الفارسي: "وإذا كان كذا فقوله: إن الله يدفع، ويدافع يتقاربان، وليس يدافع كيضارب، ومما يقوي ذلك قوله: {قاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ} [التوبة: 30]، وليس للمفاعلة التي تكون من اثنين هنا وجه" (?).

واختار أبو عبيدة قراءة الجمهور {وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ} وأنكر أن يقرأ "دفاع" وقال: "لأن الله عز وجل لا يغالبه أحد. قال مكي: هذا وهم توهم فيه باب المفاعلة وليس به، واسم "الله" في موضع رفع بالفعل، أي لولا أن يدفع الله" (?).

ويرى الطبري بأن القراءتين تحملان المعنى نفسه، فقال: " والقول في ذلك عندي أنهما قراءتان قد قرأت بهما القرأة، وجاءت بهما جماعة الأمة، وليس في القراءة بأحد الحرفين إحالةُ معنى الآخر. وذلك أن من دافع غيره عن شيء فمدافعه عنه بشيء دافع، ومتى امتنع المدفوع عن الاندفاع، فهو لمدافعه مدافع، ولا شك أن جالوت وجنوده كانوا بقتالهم طالوت وجنوده محاولين مغالبة حزب الله وجنده، وكان في محاولتهم ذلك محاولةُ مغالبة الله ودفاعه عما قد تضمن لهم من النُّصرة. وذلك هو معنى " مدافعة الله " عن الذين دافع الله عنهم بمن قاتل جالوت وجنوده من أوليائه. فبيِّنٌ إذًا أن سَواءً قراءةُ من قرأ: {وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ}، وقراءة من قرأ: {ولولا دفاع الله الناس بعضهم ببعض}، في التأويل والمعنى" (?).

قوله تعالى: {لَّفَسَدَتِ الأرْضُ} [البقرة: 251]، أي: " لهلك أهلها بعقوبة الله إياهم، ففسدت بذلك الأرض" (?).

قال السعدي: أي: "لفسدت الأرض باستيلاء الكفار عليها وإقامتهم شعائر الكفر ومنعهم من عبادة الله تعالى، وإظهار دينه" (?).

طور بواسطة نورين ميديا © 2015