والفرق بينهما أن (الغُرفة) بالضم اسم للماء المشروب، و (الغَرفة) بالفتح اسم للفعل، قال الكسائي: "الغرفة بالضم الذي يحصل في الكف من الماء إذا غرف، والغرفة: بالفتح الاغتراف فالضم اسم والفتح مصدر" (?).
قال الراغب: " والغرف تناول الماء، ويقال للمعترف غرفة، وللمرة غرفة، والغريف الماء المعرض للاغتراف، وتصور منه الرفع، فسمي العلية غرفة تشبيهاً بالمغترف، وبهذا النظر سمي مشربة، وسمي الغمام مادام عرفه كأنه لرطوبته معترف" (?).
قال القرطبي: " الاغتراف: الأخذ من الشيء باليد وبآلة، ومنه المغرفة، والغَرف مثل الاغتراف .. وقال بعض المفسرين: الغَرفة بالكف الواحد والغُرفة بالكفين. وقال بعضهم: كلاهما لغتان بمعنى واحد. وقال علي رضي الله عنه: الأكف أنظف الآنية، ومنه قول الحسن (?):
لا يدلفون إلى ماء بآنية ... إلا اغترافا من الغدران بالراح
الدليف: المشي الرويد" (?).
قوله تعالى: {فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ} [البقرة: 249]، " أي شرب الجيش منه إِلا فئة قليلة صبرت على العطش" (?).
قال القاسمي: أي: شربوا "إلى حد الارتواء" (?).
روي عن قتادة: " {فمن شرب منه فليس مني ومن لم يطعمه فإنه مني إلا من اغترف غرفة بيده فشربوا منه إلا قليلا منهم}، فشرب القوم على قدر يقينهم. أما الكفار فجعلوا يشربون فلا يروون، وأما المؤمنون فجعل الرجل يغترف غرفة بيده فتجزيه وترويه" (?).
وعن الربيع: " {فمن شرب منه فليس مني ومن لم يطعمه فإنه مني إلا من اغترف غرفة بيده فشربوا منه إلا قليلا منهم}، يعني المؤمنين منهم، وكان القوم كثيرا، فشربوا منه إلا قليلا منهم يعني المؤمنين منهم. كان أحدهم يغترف الغرفة فيجزيه ذلك ويرويه" (?).
واختلفوا في (القليل) الذين لم يشربوا على قولين:
الأول: فقال السدي: "كانوا أربعة آلاف" (?).
الثاني: وقال سعيد بن جبير: "ثلاثمائة وبضعة عشر" (?).
والقول الثاني هو الصحيح، يدل عليه ما روي "عن البراء قال: كنا أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم نتحدث أن عدة أصحاب بدر على عدة أصحاب طالوت الذين جاوزوا معه النهر ولم يجاوز معه إلا مؤمن بضعة عشر وثلاثمائة" (?).